بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَـٰنِ الرَّحِيمِ
الْحَمْدُ لِلَّهِ الشَّهِيدِ الْخَبِيرِ، الَّذِي لَا يَخْفَىٰ عَلَيْهِ خَافِيَةٌ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ، وَهُوَ الْعَلِيمُ بِذَاتِ الصُّدُورِ، الْخَبِيرُ بِتَقَلُّبِ الْأَرْوَاحِ وَالنُّفُوسِ، وَالرَّفِيعُ الدَّرَجَاتِ لِمَنْ أَرَادَ مِنْ عِبَادِهِ أَنْ يَصْعَدَ إِلَيْهِ فِي مَلَكُوتِ الْجَبَرُوتِ.
أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَـٰهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، شَهَادَةً تَرْفَعُ الذَّاتَ إِلَىٰ أَعْلَىٰ عِلِّيِّينَ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، صَاحِبُ الْمِعْرَاجِ الَّذِي سَرَىٰ بِهِ مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَىٰ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَىٰ.
أَمَّا بَعْدُ، فَبِالْحَقِّ الَّذِي بِهِ خُلِقَتِ الْأَكْوَانُ، وَبِهِ تَسْتَقِيمُ السَّبْعُ الشِّدَادُ، وَبِهِ تُسَيَّرُ الْأَرْوَاحُ فِي أَجْسَادِ النُّورِ، أُطْلِقُ ذَاتِيَ الْحَقِيقِيَّةَ الْعُلْيَا الْقُصْوَى، الَّتِي بَلَغَتْ أَكْمَلَ مَا تَبْلُغُهُ الْجَسَدِيَّةُ مِنَ الشِّدَّةِ وَالْقُوَّةِ وَالصَّلَابَةِ، فَصَارَتْ جَسَدًا كَالْجِبَالِ الرَّاسِيَاتِ، وَرُوحًا كَالْأَنْوَارِ السَّاطِعَاتِ.
وَتِلْكَ الذَّاتُ هِيَ نَفْسِيَ الصَّاعِدَةُ بِكُنْدَالِينِيِّ الْحَقِّ الْأَعْظَمِ، الَّذِي هُوَ سِرُّ النَّارِ الْمُقَدَّسَةِ فِي صُلْبِ الْأَشْيَاءِ، وَهُوَ الْقُطْبُ الَّذِي إِلَيْهِ يَتَوَجَّهُ الْعَارِفُونَ، وَالْقِنْطَارُ الَّذِي مِنْهُ تَفَجَّرَتْ عُيُونُ الْحَيَاةِ فِي الْعَالَمِ السُّفْلِيِّ. قَدِ ارْتَفَعَتْ هَـٰذِهِ الْكُنْدَالِينِي حَتَّىٰ بَلَغَتْ أَقْصَى قِمَمِ الْوُجُودِ، لَا كَمَا يَتَوَهَّمُ الضَّالُّونَ، بَلْ كَمَا قَدَّرَ اللَّهُ لِأَوْلِيَائِهِ الْمُخْلَصِينَ، فَصَارَتِ الذَّاتُ تَصْعَدُ طَبَقًا بَعْدَ طَبَقٍ، حَتَّىٰ تَخَطَّتِ الْأَبْعَادَ الدُّنْيَا السَّبْعَةَ، ثُمَّ الْأَبْعَادَ الثَّمَانِيَةَ، ثُمَّ اسْتَقَرَّتْ فِي الْبُعْدِ الْأَعْلَىٰ الَّذِي لَا يُدْرِكُهُ إِلَّا الْخَبِيرُ الشَّهِيدُ، وَهُوَ بُعْدُ الْأَحَدِيَّةِ الْإِلَـٰهِيَّةِ، حَيْثُ الْأَنَا الْحَقُّ لَا تَتَعَيَّنُ بِشَيْءٍ وَلَا تَتَقَيَّدُ بِكَيْفٍ.
وَفِي ذَلِكَ الْبُعْدِ الْأَعْلَىٰ الْأَسْنَىٰ، تَجَلَّى لِي رَبِّي بِاسْمَيْهِ الشَّهِيدِ الْخَبِيرِ، فَشَهِدَ عَلَيَّ بِأَنِّي مِنَ الصَّادِقِينَ، وَأَخْبَرَنِي بِأَنَّ هَـٰذَا الْإِطْلَاقَ هُوَ الْحَقُّ الَّذِي لَا مَحِيدَ عَنْهُ. فَخَرَجَتْ ذَاتِي مِنْ كُلِّ قَيْدٍ وَدَرَجٍ، وَانْطَلَقَتْ بِالْحَقِّ انْطِلَاقَ الْبَدْرِ فِي لَيْلِ التَّمَامِ، وَالْفَجْرِ الصَّادِعِ بِأُمِّ الْقُرَىٰ، لَا يَرُدُّهَا شَيْءٌ، وَلَا يَعْصِمُ مِنْهَا جَبَّارٌ، وَهِيَ تُنَادِي بِلِسَانِ الْحَالِ:
﴿إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَـٰهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي﴾، لَكِنَّهُ لِسَانُ الْعُبُودِيَّةِ الْمُطْلَقَةِ، لَا لِسَانُ الْأُلُوهِيَّةِ الْمُدَّعَاةِ.
ثُمَّ إِنَّ هَـٰذِهِ الذَّاتَ الْمُطْلَقَةَ بِالْحَقِّ، الصَّاعِدَةَ الْكُنْدَالِينِيَّةَ الْقُصْوَى، الْمُمَدَّدَةَ فِي أَعْلَى الْأَبْعَادِ، الشَّهِيدَ فِيهَا الْخَبِيرَ بِهَا، لَمَّا تَمَّ إِطْلَاقُهَا خَارِجَةً إِلَىٰ حَضْرَةِ الْقُدْسِ، أَمَرَهَا رَبُّهَا أَنْ تَتَوَجَّهَ نَحْوَ الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ، وَأَنْ تُحِلَّ بِهِمُ الثَّتْلَالَ، وَهُوَ الْإِذْلَالُ وَالتَّدْمِيرُ وَالْإِهْلَاكُ الَّذِي لَا يُقَامُ لَهُمْ بَعْدَهُ سُوقٌ.
فَثَتْلَلَتِ الذَّاتُ الْكُلَّ لِلْقَوْمِ الْكَافِرِينَ، أَيْ: دَكَّتْ كُلَّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ، وَقَلَعَتْ كُلَّ مَنَارَةِ ضَلَالٍ، وَأَذَاقَتْ كُلَّ مَنْ جَحَدَ بِآيَاتِ اللَّهِ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ. كَانَ ذَلِكَ الثُّتْلَالُ ثُتْلَالَ الْكُلِّ، لَا يَسْتَثْنِي صَغِيرًا وَلَا كَبِيرًا، إِلَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا. فَصَارَتِ الْأَرْضُ مِنْ بَعْدِ الثُّتْلَالِ كَالْأَرْضِ الْمَجْدُودَةِ الَّتِي أَكَلَتْ أَهْلَهَا، وَصَارَ السَّمَاءُ كَأَنَّهُ قِطْعَةٌ سَوْدَاءُ قَدِ انْشَقَّتْ لِلْوَقْعَةِ الْكُبْرَىٰ.
وَتِلْكَ هِيَ سُنَّةُ اللَّهِ فِي الْكَافِرِينَ، يَبْعَثُ عَلَيْهِمْ بِالْحَقِّ مَنْ يَصْعَدُ مِنْ عِبَادِهِ لِيَكُونَ سَوْطَ عَذَابٍ وَصَاعِقَةَ نَقْمَةٍ. فَلَا تَظُنَّنَّ يَا مَنْ تَصْعَدُ ذَاتُكَ أَنَّ هَـٰذَا الثُّتْلَالَ هُوَ انْتِقَامٌ بَشَرِيٌّ، بَلْ هُوَ قَضَاءٌ إِلَـٰهِيٌّ جَرَىٰ عَلَىٰ لِسَانِ الْحَقِّ الْمُطْلَقِ، وَبِيَدِ الذَّاتِ الَّتِي طَهَّرَهَا اللَّهُ وَأَطْلَقَهَا.
فَاذْهَبْ أَيَّتُهَا الذَّاتُ الْمُطْلَقَةُ الْعَالِيَةُ، وَكُنْ عَلَىٰ الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ ثُتْلَالًا مُبِينًا، وَاخْرُجْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ إِلَىٰ لَا شَيْءٍ مِنَ الْأَبَاطِيلِ، وَاسْكُنْ فِي الْحَقِّ كَمَا يَسْكُنُ النُّورُ فِي عَيْنِ الشَّمْسِ. وَلْتَكُنْ صَلَاتُكَ عَلَىٰ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَحَمْدُكَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، خَاتِمَةَ هَـٰذَا الْمَقَامِ الَّذِي لَا يَبْلُغُهُ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ وَأَطْلَقَهُ بِالْحَقِّ.
﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا كَانَ عَلَىٰ رَبِّكَ حَتْمًا مَقْضِيًّا﴾.
﴿فَأَثْتَلَ الْكُلَّ لِلْقَوْمِ الْكَافِرِينَ، فَلَمْ تَرَ إِلَّا مَصَارِعَهُمْ كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ﴾ (وَهَـٰذَا تَفْسِيرٌ بِمَعْنَى الثُّتْلَالِ، وَاللَّهُ أَعْلَىٰ وَأَعْلَمُ).
وَالْحَمْدُ لِلَّهِ الشَّهِيدِ الْخَبِيرِ، الَّذِي أَطْلَقَ الْحَقَّ مِنَ الْحَقِّ، وَأَثْتَلَ الْبَاطِلَ بِالْحَقِّ، وَصَلَّى اللَّهُ عَلَىٰ سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَآلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ، وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا كَثِيرًا.