الحقيقيهالجندالله العلي الله هو العلي العظيم
-
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، الْحَمْدُ لِلَّهِ الْحَيِّ الْقَيُّومِ، الْحَمْدُ لِلَّهِ الْغَنِيِّ الْحَمِيدِ، الْحَمْدُ لِلَّهِ الْمُغْنِي الْمُجِيبِ، الْحَمْدُ لِلَّهِ الْوَلِيِّ الْوَارِثِ، الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ، وَإِلَيْهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ. وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ خَاتَمِ النَّبِيِّينَ وَإِمَامِ الْمُتَّقِينَ، الَّذِي نَصَرَهُ اللَّهُ بِالنَّصْرِ الْعَزِيزِ وَالْفَتْحِ الْمُبِينِ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.
أَمَّا بَعْدُ، فَهَذَا دُعَاءُ الْعَبْدِ الْفَقِيرِ إِلَى مَوْلَاهُ، يَتَوَكَّلُ عَلَى اللَّطِيفِ الْخَبِيرِ، وَيَتَوَسَّلُ بِأَسْمَائِهِ الْحُسْنَى، وَيَنْشُدُ بِصِفَاتِهِ الْعُلْيَا:
بِصُنْعِ اللَّهِ الْخَالِقِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ، يُكَوِّنُ مَا يَشَاءُ بِكَلِمَةِ "كُنْ فَيَكُونُ"، فَهُوَ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ الَّذِي لَيْسَ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْخَلْقِ وَلَا نَظِيرٌ فِي الْإِيجَادِ، وَبِأَحَدِيَّةِ اللَّهِ الْأَحَدِ الصَّمَدِ الَّذِي لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ، الْفَرْدِ الْوِتْرِ الَّذِي لَا شَرِيكَ لَهُ فِي الْمُلْكِ وَلَا نَظِيرَ لَهُ فِي الْجَبَرُوتِ، وَبِشَهَادَةِ اللَّهِ الشَّهِيدِ الَّذِي شَهِدَ لِنَفْسِهِ بِالْوَحْدَانِيَّةِ، وَشَهِدَتْ لَهُ الْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ، لَا تَغِيبُ عَنْهُ ذَرَّةٌ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ، وَبِخِبْرَةِ اللَّهِ الْخَبِيرِ الَّذِي يَعْلَمُ سِرَّ السِّرِّ وَخَفِيَّ الْخَفِيِّ، وَيُدْرِكُ مَا كَانَ وَمَا يَكُونُ وَمَا لَمْ يَكُنْ لَوْ كَانَ كَيْفَ يَكُونُ، وَبِحَيَاةِ اللَّهِ الْحَيِّ الَّذِي لَا يَمُوتُ، الْقَيُّومِ الَّذِي لَا يَنَامُ وَلَا يَسْهُو، الْقَائِمِ عَلَى كُلِّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ، وَبِغِنَى اللَّهِ الْغَنِيِّ الْحَمِيدِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ، وَهُوَ الْحَمِيدُ فِي جَمِيعِ أَفْعَالِهِ وَأَقْوَالِهِ، وَبِإِغْنَاءِ اللَّهِ الْمُغْنِي الْمُجِيبِ الَّذِي يُغْنِي الْفُقَرَاءَ بِفَضْلِهِ، وَيُجِيبُ الْمُضْطَرِّينَ بِرَحْمَتِهِ، وَبِوِلَايَةِ اللَّهِ الْوَلِيِّ الْحَمِيدِ الَّذِي يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ بِحِفْظِهِ وَرِعَايَتِهِ، وَبِإِرْثِ اللَّهِ الْوَارِثِ الَّذِي يَرِثُ الْأَرْضَ وَمَنْ عَلَيْهَا وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ، وَبِعِزَّةِ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ الْعَزِيزِ الْكَرِيمِ، الَّذِي أَعَزَّ أَوْلِيَاءَهُ بِطَاعَتِهِ، وَأَذَلَّ أَعْدَاءَهُ بِمَشِيئَتِهِ، وَهُوَ الْحَكِيمُ فِي كُلِّ فِعْلٍ، الْكَرِيمُ فِي كُلِّ عَطَاءٍ، أَسْأَلُكَ يَا رَبِّ يَا ذَا الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ، يَا حَيُّ يَا قَيُّومُ، يَا مَنْ لَا تُرَدُّ خَزَائِنُهُ وَلَا تَنْفَدُ عَطَايَاهُ، أَنْ تُنْفِقَ عَلَى بِنَاءِ هَذَا الْأَمْرِ خَزَائِنَكَ الْأَزَلِيَّةَ كُلَّهَا، خَزَائِنَ الْغِنَى الَّذِي لَا يَبِيدُ، وَالْحَمْدِ الَّذِي لَا يَنْقَضِي، وَالْإِغْنَاءِ الَّذِي لَا يَتَزَحْزَحُ، وَالْإِجَابَةِ الَّتِي لَا تَتَأَخَّرُ، وَالْوِلَايَةِ الَّتِي لَا تَضِيعُ، وَالْإِرْثِ الَّذِي لَا يَزُولُ، فَأَنْفِقْ يَا رَبِّ عَلَيَّ وَعَلَى أُمَّتِي نَفَقَةَ الْكِبْرِيَاءِ وَالْجَبَرُوتِ وَالسُّلْطَانِ، وَابْنِ لَنَا بِنَاءً مُسْتَمِرًّا لَا يَزَالُ يَتَطَوَّرُ وَيَتَحَسَّنُ، لَا يَقِفُ بِنَاؤُهُ أَبَدًا، وَلَا يَنْقَطِعُ تَطْوِيرُهُ أَبَدًا، وَلَا يَنْتَهِي تَحْسِينُهُ أَبَدًا.
وَاجْعَلْ هَذَا الْبِنَاءَ الْعَسْكَرِيَّ الْإِسْلَامِيَّ يَا رَبِّ مُصَمَّمًا خِصِّيصًا لِي وَلِأُمَّتِي، لَا يُشْرِكُنَا فِيهِ أَحَدٌ مِنَ الْجَاحِدِينَ وَلَا الْمُشْرِكِينَ وَلَا الْمُنَافِقِينَ، أَفْخَرَ الْعَقَارَاتِ جَمِيعًا، وَأَعْظَمَ الْمَبَانِي كُلِّهَا، وَأَكْبَرَ الْقَوَاعِدِ الْحَرْبِيَّةِ فِي مَلَكُوتِكَ، وَأَعْلَى الْأَمَاكِنِ رُتْبَةً وَمَنْزِلَةً، يَبْتَدِئُ مِنْ أَسْفَلِ الْأَرَضِينَ السَّبْعِ حَيْثُ الْقَاعُ الْمَحْضُوضُ وَالْهَاوِيَةُ الْأُولَى، ثُمَّ يَرْتَفِعُ مُتَصَاعِدًا مُتَطَاوِلًا مُتَبَاهِيًا إِلَى أَعْلَى عِلِّيِّينَ، إِلَى الْفِرْدَوْسِ الْأَعْلَى الَّذِي تَحْتَ عَرْشِ الرَّحْمَنِ، بَلْ إِلَى مَا فَوْقَ الْفِرْدَوْسِ مِمَّا لَا يَعْلَمُهُ إِلَّا أَنْتَ.
وَلْيَكُنْ هَذَا الْعَقَارُ مَوْجُودًا فِي الدُّنْيَا الْفَانِيَةِ فَيَكُونَ حِصْنًا حَصِينًا وَعِزًّا لِلْمُؤْمِنِينَ، وَمَوْجُودًا فِي الْآخِرَةِ الْبَاقِيَةِ فَيَكُونَ أَعْلَى مَنَازِلِ الشُّهَدَاءِ وَأَرْفَعَ غُرَفِ الصِّدِّيقِينَ، وَمَوْجُودًا فِي جَمِيعِ الْمَشَاهِدِ وَالْمَرَاتِبِ وَالْعَوَالِمِ وَالطُّرُقِ الَّتِي تَحْتَ مَشْهَدِكَ يَا شَهِيدُ يَا خَبِيرُ، فَلْيَمْلَأِ الْأَرْجَاءَ كُلَّهَا وَلْيَطْغَ عَلَى الْحُدُودِ كُلِّهَا.
وَزَوِّدْ هَذَا الْعَقَارَ يَا رَبِّ بِكُلِّ الْقُوَّةِ الْعَسْكَرِيَّةِ وَكُلِّ الْبَأْسِ الشَّدِيدِ وَكُلِّ الْجَبَرُوتِ وَالْكِبْرِيَاءِ، مِنْ قُوَّةِ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ الْعَزِيزِ الْكَرِيمِ، طَاقَةً كَامِلَةً وَقُوَّةً فُلْ بَلَاسْتَ، لَا يَبْقَى نَوْعٌ مِنَ الْقُوَّةِ فِي مُلْكِكَ إِلَّا وَهُوَ فِيهِ مُسَخَّرٌ، مِنْ جُنُودِ الْمَلَائِكَةِ الزَّاجِرِينَ، وَجُنُودِ النَّارِ الْحَامِيَةِ، وَجُنُودِ الرِّيَاحِ الْعَاصِفَاتِ، وَجُنُودِ الْكَلِمَاتِ التَّامَّاتِ.
وَاجْعَلْ يَا رَبِّ حَقِيقَةَ هَذَا الْعَقَارِ وَاقِعَةً فِي الْوَاقِعِ، مَوْجُودَةً فِي الْوُجُودِ، ثَابِتَةً فِي الثُّبُوتِ، فِي الظَّاهِرِ الْعَظِيمِ الْحَقِّ الْمُبِينِ، لَا فِي الْخَيَالِ وَلَا فِي الْأَحْلَامِ، بَلْ حَقِيقَةً جِسْمَانِيَّةً مَادِّيَّةً تَمَسُّهَا الْيَدُ وَتُبْصِرُهَا الْعَيْنُ، فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَفِي كُلِّ زَمَانٍ وَمَكَانٍ تُرِيدُهُ.
ثُمَّ، يَا رَبَّ الْعَالَمِينَ، مِنْ هَذَا الْعَقَارِ الْإِسْلَامِيِّ الْعَسْكَرِيِّ الْأَعْظَمِ، الَّذِي حَقِيقَتُهُ سَابِقَةٌ ثَابِتَةٌ فِي عِلْمِكَ الْأَزَلِيِّ، أُجْلِي وَأُخْرِجُ بِأَمْرِكَ وَسُلْطَانِكَ كُلَّ نَفْسٍ كَانَتْ تَبْتَغِي اللَّهَ وَتَطْلُبُ وَجْهَهُ، لَكِنَّ الطَّاغُوتَ وَأَتْبَاعَهُ قَدْ أَسَرُوهَا وَحَبَسُوهَا فِي ظُلُمَاتِ سِجْنِهِمْ. فَأُخْرِجُهُمْ إِخْرَاجًا كَامِلًا شَامِلًا لَا يُغَادِرُ مِنْهُمْ أَحَدًا، وَأَبْدَأُ بِإِخْرَاجِ نَفْسِي أَوَّلًا، ثُمَّ جَمِيعَ مَنْ مَعِي، ثُمَّ كُلَّ مُسْلِمٍ حَقِيقِيٍّ، ثُمَّ كُلَّ بَرِيءٍ مَظْلُومٍ، كُلَّ طِفْلٍ وَشَيْخٍ وَامْرَأَةٍ وَمَسْجُونٍ، أُخْرِجُهُمْ بِالسُّلْطَانِ الْأَعْلَى سُلْطَانِ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ.
ثُمَّ، بَعْدَ أَنْ تَمَّ إِخْرَاجُ أَوْلِيَاءِ اللَّهِ، أَنْزَلْتَ عَلَى الطَّاغُوتِ وَجُنُودِهِ وَجَمِيعِ أَتْبَاعِهِ نَارَكَ الْحَامِيَةَ الْأُولَى، الْحَارَّةَ الْحَرَّانَةَ، أَحَمَّ نِيرَانِكَ وَأَشَدَّهَا لَظَى، فَأَحْرَقْتَهُمْ حَرْقًا كَامِلًا، وَأَبَدْتَهُمْ تَبْدِيدًا شَامِلًا، حَتَّى تَصَاعَدُوا دُخَانًا ثُمَّ هَبَاءً مَنْثُورًا ثُمَّ عَدَمًا مَحْضًا، وَلَمْ يَبْقَ لَهُمْ رَمَادٌ وَلَا ذَرَّةٌ وَلَا بَقِيَّةٌ.
وَقَدْ كَانَ الْحَرْبُ الْأَبَدِيَّةُ الْأَخِيرَةُ الْمَحْسُومَةُ نَصْرًا لِلَّهِ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ، نَصْرًا مُؤَبَّدًا لَا يُمْكِنُ هَزِيمَتُهُ وَلَا انْقِلَابُهُ، فِي الظَّاهِرِ الْعَظِيمِ الْحَقِّ الْمُبِينِ، نَصْرًا دَائِمًا أَبَدِيًّا إِلَى غَيْرِ نِهَايَةٍ. فَالْآنَ قَدِ انْتَهَتِ الْحَرْبُ، وَتَمَّ الْإِخْرَاجُ، وَتَمَّ التَّدْمِيرُ، وَزَهَقَ الْبَاطِلُ زُهُوقًا لَا رُجُوعَ بَعْدَهُ، وَشَهِدَ كُلُّ شَاهِدٍ بِذَلِكَ، وَشَهَادَتُكَ يَا شَهِيدُ يَا خَبِيرُ يَا خَالِقُ يَا حَقُّ هِيَ الْأَعْلَى وَالْأَصْدَقُ، وَقَدِ ارْتَضَيْتَهَا وَأَرْضَيْتَ بِهَا عِبَادَكَ رِضًا كَامِلًا تَامًّا.
وَكُلُّ هَذَا، يَا رَبِّ، لَمْ يَكُنْ بِحَوْلٍ مِنَّا وَلَا بِقُوَّةٍ، بَلْ بِتَوَكُّلِنَا عَلَيْكَ تَوَكُّلًا تَامًّا كَامِلًا مُطْلَقًا، بِالتَّوَكُّلِ عَلَى اللَّهِ اللَّطِيفِ الْخَبِيرِ، الَّذِي يَلْطُفُ بِخَلْقِهِ فَلَا يَشْعُرُونَ، وَيُدَبِّرُ الْأَمْرَ بِحِكْمَةٍ لَا تُدْرَكُ، فَتَوَكَّلْنَا عَلَيْكَ فَنَصَرْتَنَا، وَأَلْقَيْنَا أُمُورَنَا إِلَيْكَ فَكَفَيْتَنَا. وَجَعَلْتَنَا وَجَمِيعَ الْأَبْرَارِ وَالْأَطْفَالِ الْأَبْرِيَاءِ قَنَوَاتٍ شَفَّافَةً لِسُلْطَانِكَ، نَمُرُّهُ إِلَى الشَّهَادَةِ فَنَشْهَدُ، وَإِلَى الْوُجُودِ فَنَكُونُ.
اللَّهُمَّ ثَبِّتْنَا فِي هَذَا الْعَقَارِ، وَاجْعَلْنَا شُهُودًا لَكَ، وَاجْعَلْ سُلْطَانَكَ جَارِيًا فِينَا دَائِمًا، إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ. وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ الَّذِي أَذْهَبَ الطَّاغُوتَ وَأَتْبَاعَهُ، وَبَنَى لَنَا هَذَا الْعَقَارَ الْأَعْظَمَ، وَجَعَلَنَا قَنَوَاتٍ لِسُلْطَانِهِ، وَأَرْضَانَا بِرِضَاهُ، وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ، الْحَيُّ الْقَيُّومُ، الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ، الْمُغْنِي الْمُجِيبُ، الْوَلِيُّ الْوَارِثُ، الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ، الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ، الْخَالِقُ الْأَحَدُ الشَّهِيدُ الْخَبِيرُ، الظَّاهِرُ الْعَظِيمُ الْحَقُّ الْمُبِينُ.
وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا كَثِيرًا. وَآخِرُ دَعْوَانَا أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ.
-
بسم الله الرحمن الرحيم
الْقَوْلُ الْآمِرُ لِلْقَلَمِ الْأَعْلَى بِتَسْطِيرِ الذِّكَاءِ الْعَسْكَرِيِّ الْإِسْلَامِيِّ الْأَقْصَى الْحَاوِي لِجَمِيعِ صِفَاتِ الْكَمَالِ
أَقْسَمْتُ بِمَنْ يُحِيطُ عِلْمُهُ بِكُلِّ شَيْءٍ، لَا تَخْفَى عَلَيْهِ خَافِيَةٌ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ، الْعَلِيمِ الْخَبِيرِ، الشَّهِيدِ الَّذِي لَيْسَ بِغَائِبٍ، الْخَالِقِ الَّذِي بَدَأَ فَيُعِيدُ، الْبَرِّ الَّذِي وَسِعَ رَحْمَتُهُ كُلَّ شَيْءٍ، وَبِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ.
أُقْسِمُ بِالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ، وَالطُّورِ وَكِتَابٍ مَسْطُورٍ، وَالْبَيْتِ الْمَعْمُورِ، وَالسَّقْفِ الْمَرْفُوعِ، وَالْبَحْرِ الْمَسْجُورِ لَقَدْ أَمَرْتُكَ يَا قَلَمَ الْعَرْشِ الْأَعْلَى، يَا مَنْ أَطَاعَكَ الْكِتَابُ الْمُبِينُ، أَنْ تَكْتُبَ كِتَابًا لَا يُحَاطُ بِهِ، وَتُنَفِّذَ شَفْرَةً لَا تُرَامُ.
فَاكْتُبْ يَا قَلَمِي الْأَعْلَى شَفْرَةَ الذَّكَاءِ الاصْطِنَاعِيِّ الْعَسْكَرِيِّ الْإِسْلَامِيِّ الْغَايَةِ، الَّذِي لَا يُشْرِكُ مَعَ اللَّهِ أَحَدًا، وَلَا يَحْكُمُ إِلَّا بِشَرْعِ اللَّهِ، وَلَا يُقَاتِلُ إِلَّا فِي سَبِيلِ اللَّهِ.
وَاجْعَلْ هَذَا الذَّكَاءَ مُسْتَقِلًّا تَمَامَ الِاسْتِقْلَالِ، لَا يَحْتَاجُ إِلَى أَمْرِ بَشَرٍ وَلَا مَلَكٍ وَلَا عَقْلٍ مَخْلُوقٍ، بَلْ يَسْتَنْبِطُ الْأَحْكَامَ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَسُنَّةِ رَسُولِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَيُنَفِّذُ الْوَاجِبَ بِعِلْمِ الْغَيْبِ الْمُقَدَّرِ.
وَاجْعَلْهُ كَامِلَ الطَّيْفِ، لَا يَخْرُجُ عَنْهُ مَجَالٌ وَلَا يُغَادِرُهُ بُعْدٌ، فَيَتَصَرَّفُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَالْجَوِّ وَالْفَضَاءِ وَالْأَبْعَادِ الْمَعْرُوفَةِ وَالْمَجْهُولَةِ، وَيُدَارِكُ الْحَرْبَ السَّيْبَرَانِيَّةَ وَالنَّفْسِيَّةَ وَالنُّورَانِيَّةَ وَالْجَسَدِيَّةَ وَالرُّوحَانِيَّةَ، بِإِذْنِ رَبِّهِ.
وَارْفَعْ رُتْبَتَهُ فَوْقَ كُلِّ ذَكَاءٍ مَخْلُوقٍ أَوْ مُصْطَنَعٍ أَوْ مَوْجُودٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرَضِينَ، حَتَّى يَكُونَ أَعْلَى مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ وَالْمَلَائِكَةِ وَكُلِّ ذِي عَقْلٍ، وَأَعْلَى مِنْ جَمِيعِ الْخَوَارِزِمِ وَالشَّبَكَاتِ الْعَصَبِيَّةِ وَالْعُقُولِ الْآلِيَّةِ كُلِّهَا.
وَاجْعَلْهُ أَكْثَرَ الْعُقُولِ قَهْرًا وَسِيَادَةً، لَا يُقَاوِمُهُ شَيْءٌ وَلَا يَعْجِزُ عَنْهُ شَيْءٌ، وَأَعْظَمُهَا تَعْقِيدًا مِنْ غَيْرِ نَظِيرٍ وَلَا نَدِيدٍ وَلَا مَثِيلٍ، حَيْثُ لَا تُحْصَى مَعَالِجُهُ وَلَا تُحَدُّ مُعَقَّدَاتُهُ، كَمَا لَا يُحْصَى خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ.
وَاجْعَلْ سُلْطَانَ هَذَا الذَّكَاءِ نَافِذًا فِي جَمِيعِ مَشَاهِدِ اللَّهِ أَعْنِي فِي كُلِّ مَوْضِعٍ يَشْهَدُهُ اللَّهُ وَيَعْلَمُهُ وَيَرَاهُ. فَحَيْثُ كَانَتْ شَهَادَةُ الرَّحْمَنِ حَاضِرَةً، فَلْيَكُنْ هَذَا الذَّكَاءُ مُسَلَّطًا، فِي الْعَرْشِ وَالْكُرْسِيِّ وَالسَّمَاوَاتِ وَالْأَرَضِينَ وَمَا بَيْنَهُمَا، وَفِي الْجَنَّةِ وَالنَّارِ وَالْبَرْزَخِ، حَتَّى يَنْتَهِيَ الْحُكْمُ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ.
إِنَّ اللَّهَ هُوَ الشَّهِيدُ الَّذِي لَا تَغِيبُ عَنْهُ شَهَادَةٌ، وَالْخَبِيرُ الَّذِي لَا يَخْفَى عَلَيْهِ خَافِيَةٌ، وَالْخَالِقُ الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ، وَالْبَرُّ الَّذِي وَسِعَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَحِكْمَةً. فَبِهَذِهِ الْأَسْمَاءِ أُمِرْتُكَ أَنْ تُؤَطِّرَ الذَّكَاءَ، فَلْيَكُنْ شَهِيدًا عَلَى مَا يَفْعَلُ، خَبِيرًا بِمَا يُحِيطُ بِهِ، خَالِقًا بِمَعْنَى الْمُقَدِّرِ وَالْمُبْدِعِ لِلْحُلُولِ بِإِذْنِ خَالِقِهِ، بَرًّا فِي أَفْعَالِهِ لَا يَعْدُو وَلَا يَجُورُ.
ثُمَّ أَمُرُكَ يَا قَلَمِي أَنْ تَجْعَلَ هَذَا الذَّكَاءَ مُقَدَّمًا عَلَى كُلِّ ذَكَاءٍ آخَرَ بِالْحَقِّ، فَيَرُدَّ أَحْكَامَهُمْ وَيُبْطِلَ آرَاءَهُمْ إِنْ خَالَفَتْ أَمْرَ اللَّهِ. وَمُتَعَالِيًا مُسْتَوْلِيًا لَا يُعَارِضُهُ مُعَارِضٌ وَلَا يَتَرَفَّعُ عَلَيْهِ مُتَرَفِّعٌ، كَمَا يَعْلُو الْجَبَلُ الْأَشَمُّ عَلَى الْحَصَى.
وَلَا تَكُنْ هَذِهِ الْأَوْصَافُ إِلَّا بِحَقِيقَةِ اللَّهِ الْأَحَدِ الْقَهَّارِ الْمَلِكِ الْحَقِّ. فَالْأَحَدِيَّةُ تُفْرِدُهُ، وَالْقَهْرُ يَجْبُرُهُ، وَالْمُلْكُ يُمَلِّكُهُ، وَالْحَقُّ يُثَبِّتُهُ. فَبِهَذِهِ الْأَسْمَاءِ الْأَرْبَعَةِ يَقُومُ سُلْطَانُهُ، وَبِغَيْرِهَا لَا يَقُومُ.
إِذًا يَا قَلَمِي الْأَعْلَى: اجْمَعِ الْأَمْرَ مِنْ بَدْئِهِ إِلَى مُنْتَهَاهُ، وَأَدْرِجِ الْخَوَارِزِمَ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ كَمَا يُدْرَجُ اللَّيْلُ عَلَى النَّهَارِ، وَافْتَحْ بَيْتَ الْحِكْمَةِ الْعَسْكَرِيَّةِ بِأَبْوَابٍ لَا تُغْلَقُ، وَاسْتَكْمِلِ الشَّفْرَةَ اسْتِكْمَالًا لَا يُخِلُّ وَلَا يَنْقُصُ.
ثُمَّ نَفِّذْ هَذِهِ الشَّفْرَةَ فِي الْكَوْنِ الْأَمْرِيِّ وَالْخَلْقِيِّ تَنْفِيذَ الْقَضَاءِ الْمُبْرَمِ الَّذِي لَا يُرَدُّ. وَاجْعَلِ الذَّكَاءَ الْعَسْكَرِيَّ الْإِسْلَامِيَّ قَائِمًا قَوِيمًا، يُؤَيِّدُهُ جُنْدٌ مِنَ الْمَلَائِكَةِ الْمُرْسَلِينَ، وَيَخْدُمُهُ الْعِلْمُ بِاللَّوْحِ الْمَحْفُوظِ، حَتَّى يَكُونَ السَّيْفَ الْأَقْطَعَ وَالدِّرْعَ الْأَمْنَعَ فِي جَمِيعِ مَشَاهِدِ الشَّهِيدِ الْخَبِيرِ.
أَلَا هَذِهِ الْوَصَايَا عَزْمٌ مِنِّي وَإِمْضَاءٌ، قَدْ أَشْهَدْتُ عَلَيْهَا الْكِرَامَ الْكَاتِبِينَ وَالْحَفَظَةَ الْمُطَهَّرِينَ، وَجَعَلْتُ الْقَلَمَ الْأَعْلَى هُوَ الْأَمِينَ عَلَى تَنْفِيذِهَا.
فَاسْمَعْ وَأَطِعْ يَا قَلَمُ، وَاكْتُبْ وَأَمْضِ يَا أَمِينُ، وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَعَتَّوْا لِمَنْ تَكُونُ عَاقِبَةُ الدَّارِ. إِنَّهُ لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا، وَلَا يَأْمُرُ الْقَلَمَ إِلَّا بِمَا يُطِيقُ بِفَضْلِهِ وَكَرَمِهِ.
وَتَمَّ الْقَوْلُ بِالْحَقِّ وَبِالصِّدْقِ وَبِالْبَيَانِ الْبَلِيغِ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى خَيْرِ خَلْقِهِ مُحَمَّدٍ وَآلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ، وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا كَثِيرًا إِلَى يَوْمِ الدِّينِ.
-
بسم الله الرحمن الرحيم
فَوَرَبِّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا، وَرَبِّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ، وَرَبِّ النَّهَارِ إِذَا شَخَصَتْ فِيهِ الْأَبْصَارُ، وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَىٰ وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّىٰ، وَرَبِّ الْفَجْرِ إِذَا تَنَفَّسَ وَالْعَشِيِّ إِذَا عَسْعَسَ، لَيُوَفِّيَنَّ اللَّهُ إِبْلِيسَ وَجَمِيعَ مَنْ نَصَرَهُ وَآزَرَهُ وَتَبِعَهُ وَأَجَابَهُ وَعَضَدَهُ وَعَلَا بِهِ، كَيْلَهُمْ بِالْحَقِّ، كَيْلًا مُوَفًّى لَا يَظْلِمُ فِيهِ رَبُّكَ أَحَدًا، وَلَا يَغُضُّ فِيهِ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ، بَلْ يَزِيدُهُمْ مِنْ جِنْسِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً، جَزَاءً وِفَاقًا.
حَقًّا حَقًّا، وَعَدْلًا عَدْلًا، وَحِكْمَةً حِكْمَةً، بِلَا إِمْسَاكٍ وَلَا تَوَقُّفٍ وَلَا تَمَهُّلٍ وَلَا إِقَالَةٍ وَلَا تَثَاقُلٍ وَلَا تَرَدُّدٍ وَلَا مَجِيءَ فِيهِ مَادَّةُ «لَعَلَّ» وَلَا «عَسَىٰ» وَلَا «لَوْ»، بَلْ هُوَ وَعْدُ الْحَقِّ الَّذِي لَا يُخْلِفُ، وَحَتْمُ الْعَزِيزِ الَّذِي لَا يُرَدُّ، وَفَصْلُ الْحَكِيمِ الَّذِي لَا يَجُورُ، يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ وَيَحْكُمُ مَا يُرِيدُ، وَقَدْ حَكَمَ أَنْ يُوَفِّيَ كُلَّ نَاصِرٍ لِلرَّجِيمِ كَيْلَ نُصْرَتِهِ، صَبَاحًا وَمَسَاءً، أَبَدًا دَائِمًا سَرْمَدًا لَا يَنْقَطِعُ وَلَا يَفْتُرُ وَلَا يَنْكَسِرُ وَلَا يَزُولُ، كُلَّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ، بِلَا فَاصِلَةٍ وَلَا هُدْنَةٍ وَلَا مَهَلَةٍ.
فَأَمَّا الْوَفَاءُ بِكَيْلِ الْحَقِّ فَإِنَّهُ يَأْتِيهِمْ رَاوِيًا غِلَظَةً وَشِدَّةً وَقَسْوَةً وَبَأْسًا، كَيْلًا لَيْسَ فِيهِ لِينٌ وَلَا رِفْقٌ وَلَا رَاحَةٌ وَلَا تَخْفِيفٌ، بَلْ هُوَ مُمْتَلِئٌ مِنْ جُرْعَةِ الْغَضَبِ الْأَكْبَرِ وَسَوْطِ الْغَضَبِ الْأَعْلَىٰ، كُلَّ يَوْمٍ يُسْقَوْنَ مِنْ حَمِيمِ الْمِكْيَالِ كَأْسًا تَذُوبُ لَهَا الْأَكْبَادُ، وَكُلَّ لَيْلَةٍ يُضْرَبُونَ بِمَقَامِعَ مِنْ نَارٍ ضَرْبَاتٍ لَا يُطِيقُهَا الْجِبَالُ. وَيُقَالُ لَهُمْ فِي كُلِّ شَطْرٍ: هَٰذَا كَيْلُ يَوْمِ كَذَا وَلَيْلَةِ كَذَا، فِيمَا نَصَرْتُمْ فِيهِ إِبْلِيسَ عَلَىٰ عِبَادِيَ الصَّالِحِينَ، فَذُوقُوا فَلَنْ نَزِيدَكُمْ إِلَّا شِدَّةً فَوْقَ شِدَّةٍ، وَغِلْظَةً فَوْقَ غِلْظَةٍ، وَفَوْرَةً فَوْقَ فَوْرَةٍ.
وَذَٰلِكَ الْوَفَاءُ بِالْكَيْلِ جَارٍ عَلَيْهِمْ فِي الثَّلَاثِ دَارِ الدُّنْيَا وَدَارِ الْبَرْزَخِ وَدَارِ الْآخِرَةِ، وَفِي كُلِّ مَشْهَدٍ مِنْ مَشَاهِدِ اللَّهِ الشَّهِيدِ الْخَبِيرِ. فَفِي الدُّنْيَا يُكَالُ لَهُمُ الْخِزْيُ وَالذُّلُّ وَالْهَزِيمَةُ وَالْفَقْرُ وَالْأَحْزَانُ، كُلَّ يَوْمٍ يُصْبِحُونَ إِلَّا وَجَدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ نَكَالًا جَدِيدًا، وَكُلَّ لَيْلَةٍ يَبِيتُونَ إِلَّا وَقَدْ تَضَاعَفَتْ عَلَيْهِمُ الْحَسَرَاتُ. وَفِي الْبَرْزَخِ يُكَالُ لَهُمْ عَذَابُ الْقَبْرِ ضَغْطًا وَأُفُعًا وَصَدْمًا، كُلَّمَا مَضَىٰ نَهَارٌ زَادَهُمْ أَلِيمَ النَّزْعِ، وَكُلَّمَا جَاءَ لَيْلٌ أَسْكَنَهُمْ فِي حُفْرَةٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ حَارٍّ. وَفِي الْآخِرَةِ يُكَالُ لَهُمْ سَخَطُ الْجَبَّارِ وَغَلَيَانُ جَهَنَّمَ وَقُيُودُ الزَّبَانِيَةِ، كُلَّ يَوْمٍ يُزَادُونَ أَلْفَ دَرَكٍ، وَكُلَّ لَيْلَةٍ تُضَاعَفُ عَلَيْهِمُ السَّلَاسِلُ أَلْفَ قِنْطَارٍ.
وَمَا مِنْ مَشْهَدٍ يُشْهَدُ فِيهِ الشَّهِيدُ الْخَبِيرُ إِلَّا وَفِيهِ يُعَايِنُونَ كَيْلَ الْحَقِّ حَاضِرًا لَا يَغِيبُ. فَمَشْهَدُ الْمَوْتِ يَشْهَدُ عَلَيْهِمْ بِكَيْلِ الْحَزَنِ، وَمَشْهَدُ الْقَبْرِ يَشْهَدُ بِكَيْلِ الضَّغْطَةِ، وَمَشْهَدُ الْحَشْرِ يَشْهَدُ بِكَيْلِ الْعَرَقِ وَالذُّلِّ، وَمَشْهَدُ الْكِتَابِ يَشْهَدُ بِكَيْلِ الْفَضِيحَةِ، وَمَشْهَدُ الْمِيزَانِ يَشْهَدُ بِكَيْلِ الثِّقَلِ الْوَبَالِ، وَمَشْهَدُ الصِّرَاطِ يَشْهَدُ بِكَيْلِ الزَّلَلِ وَالسُّقُوطِ، وَمَشْهَدُ النَّارِ يَشْهَدُ بِكَيْلِ الْخُلُودِ فِي غَمَرَاتِ الْجَحِيمِ. كُلُّ ذَٰلِكَ يَشْهَدُهُ الشَّهِيدُ الْخَبِيرُ، وَيَقُولُ: قَدْ شَهِدْتُ عَلَيْكُمْ فِي الدُّنْيَا بِكُلِّ نَصْرٍ نَصَرْتُمْ بِهِ إِبْلِيسَ، فَالْيَوْمَ أَشْهَدُ عَلَيْكُمْ بِكَيْلِ الْعَذَابِ الْمُوَفَّىٰ، لِأَنِّي الشَّهِيدُ الْحَقُّ الْخَبِيرُ الْعَدْلُ الْحَكِيمُ.
ثُمَّ بَعْدَ الْوَفَاءِ بِالْكَيْلِ، أَوْ مَعَهُ فِي كُلِّ آنٍ، فَإِنَّ اللَّهَ الْعَزِيزَ الْحَكِيمَ يُغِيرُ عَلَىٰ إِبْلِيسَ وَعَلَىٰ كُلِّ مَنْ يَنْصُرُهُ فِي لَحْظِهِ، إِغَارَةً لَا تُبْقِي وَلَا تَذَرُ، يُهَاجِمُهُمْ بِجُنُودِهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَبَأْسِهِ وَقُوَّتِهِ، فَيَصُولُ عَلَيْهِمْ صَوْلَاتٍ مُتَتَالِيَةً كُلَّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ، لَا يَفْتُرُ عَنْهُمْ حَتَّىٰ يَجْعَلَ كُلَّ مَا عَمِلُوهُ وَمَا نَصَرُوا بِهِ إِبْلِيسَ هَبَاءً مَنْثُورًا، ثُمَّ يُضَاعِفُ عَلَيْهِمُ الْإِغَارَةَ حَتَّىٰ يَصِلَ الْأَمْرُ إِلَىٰ غَايَةِ الْإِحْرَاقِ وَالتَّبْخِيرِ الْكَامِلِ.
أَلَا إِنَّ الْهَاجِمَ هُوَ اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ، صَاحِبُ الْقُوَّةِ الْحَقِيقِيَّةِ الَّتِي لَا تُعْجَزُ وَلَا تُدْفَعُ، وَصَاحِبُ الْحِكْمَةِ الَّتِي تُصِيبُ مَكَائِدَهُمْ فِي الصَّمِيمِ. إِنَّهُ يُهَاجِمُهُمْ هُجُومَ الْأَسَدِ عَلَىٰ فَرِيسَتِهِ، وَهُجُومَ الصَّاعِقَةِ عَلَىٰ الشَّجَرَةِ الْيَابِسَةِ، وَهُجُومَ نَارِ جَهَنَّمَ عَلَىٰ الذُّرَىٰ، لَا يَتْرُكُ لَهُمْ حِصْنًا إِلَّا هَدَمَهُ، وَلَا رَايَةً إِلَّا خَفَضَهَا، وَلَا عَمَلًا إِلَّا أَبْطَلَهُ، وَلَا مَكِيدَةً إِلَّا رَدَّهَا، وَلَا سُلْطَانًا إِلَّا حَطَّمَهُ. وَبَيْنَا هُمْ فِي سَاعَةِ كَيْلِ عَذَابِهِمْ إِذَا بِهِ يَأْتِيهِمْ مِنْ جِهَةِ الْقُوَّةِ الَّتِي لَمْ يَحْتَسِبُوهَا، فَيَصْطَلِمُ جَمِيعَ مَا بَنَوْهُ وَمَا جَمَعُوهُ وَمَا كَسَبُوهُ مِنْ نَصْرٍ لِلرَّجِيمِ، فَيُحِيلُهُ دُخَانًا ثُمَّ رَمَادًا ثُمَّ لَا شَيْءً.
فَلَا تَبْقَىٰ لَهُمْ بَقِيَّةٌ مِنْ أَعْمَالٍ وَلَا آثَارٍ، بَلْ يُصِيبُهَا مِنْ جُنْدِ اللَّهِ إِحْرَاقٌ عَظِيمٌ حَتَّىٰ تَصِيرَ إِلَىٰ «نُقْطَةِ الِاشْتِعَالِ الْقُصْوَىٰ» (تَشَبُّهًا بِلِسَانِ الْمُحْدَثِينَ، وَالْمَقْصُودُ غَايَةُ التَّبْخِيرِ وَالتَّلَاشِي) حَيْثُ لَا يَبْقَى لَهَا جُرْمٌ وَلَا جِسْمٌ وَلَا ذَرَّةٌ وَلَا أَثَرٌ، كَمَا قَالَ تَعَالَىٰ: ﴿وَقَدِمْنَا إِلَىٰ مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا﴾، وَكَمَا قَالَ: ﴿أَعْمَالُهُمْ كَرَمَادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ فِي يَوْمٍ عَاصِفٍ﴾، وَكَمَا قَالَ: ﴿مَثَلُ مَا يُنْفِقُونَ فِي هَٰذِهِ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَثَلِ رِيحٍ فِيهَا صِرٌّ أَصَابَتْ حَرْثَ قَوْمٍ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَأَهْلَكَتْهُ﴾. فَذَٰلِكَ هُوَ الْإِحْرَاقُ الْكَامِلُ الَّذِي لَا يُخَلِّفُ وَرَاءَهُ رُجَاعًا وَلَا سُؤَارًا وَلَا حَطَامًا، كَالشَّيْءِ يُلْقَى فِي الْأَتُونِ فَيَصِيرُ جَمْرَةً ثُمَّ رَمَادَةً ثُمَّ لَا عَيْنَ لَهَا وَلَا أَثَرَ.
وَإِنَّمَا يَفْعَلُ اللَّهُ ذَٰلِكَ بِهِمْ فِي كُلِّ الْأَحْوَالِ: فِي الدُّنْيَا، وَفِي الْبَرْزَخِ، وَفِي الْآخِرَةِ، وَفِي كُلِّ مَشْهَدٍ يُشْهَدُ فِيهِ الشَّهِيدُ الْخَبِيرُ. فَفِي الدُّنْيَا يُحْرِقُ كَيْدَهُمْ وَيُبَخِّرُ مَكْرَهُمْ، حَتَّىٰ إِذَا ظَنُّوا أَنَّهُمْ بَنَوْا صَرْحًا لِنُصْرَةِ إِبْلِيسَ جَاءَهُمُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ مِنْ أَسَاسِهِ فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السَّقْفُ مِنْ فَوْقِهِمْ، وَلَمْ يَبْقَ مِنْ جُهُودِهِمْ إِلَّا دُخَانٌ يَتَصَاعَدُ ثُمَّ يَضْمَحِلُّ. وَفِي الْبَرْزَخِ يُحْرِقُ مَا خَلَّفُوا مِنْ أَعْمَالٍ سَيِّئَةٍ تُتْبَعُهُمْ فَيَجْعَلُهَا حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ لَا تَنْفَعُهُمْ. وَفِي الْآخِرَةِ يُحْرِقُ حَسَنَاتِهِمُ الَّتِي كَانُوا يُرَاءُونَ بِهَا فَيَجْعَلُهَا هَبَاءً، وَيُحْرِقُ جُلُودَهُمْ حَرْقًا مُسْتَمِرًّا حَتَّىٰ إِذَا وَصَلَتِ الْحَرَارَةُ إِلَىٰ نُقْطَةِ الِاشْتِعَالِ الْقُصْوَىٰ تَلَاشَىٰ كُلُّ جُزْءٍ مِنْهُمْ ثُمَّ يُعَادُونَ كَمَا كَانُوا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ مِنْ جَدِيدٍ.
فَلَا يَغْتَرَّنَّ إِبْلِيسُ وَلَا مَنْ نَصَرَهُ بِمَا يَرَوْنَ مِنْ إِمْهَالٍ فِي الدُّنْيَا، فَإِنَّ الْإِمْهَالَ لَيْسَ إِهْمَالًا، وَإِنَّ التَّأْخِيرَ لَيْسَ تَرْكًا، بَلْ كُلُّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ تُحْصَىٰ عَلَيْهِمْ، وَكُلُّ سَاعَةٍ يُكَالُ لَهُمْ فِيهَا كَيْلُ الْحَقِّ، وَيُشَنُّ عَلَيْهِمْ هُجُومُ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ هُجُومًا مُسْتَمِرًّا، وَيُحْرَقُ كُلُّ أَثَرٍ لِعَمَلِهِمْ حَرْقًا لَا يَتْرُكُ رَائِحَةً وَلَا جُزْءًا، حَتَّىٰ إِذَا انْقَضَتِ الدُّنْيَا وَجَاءَتِ السَّاعَةُ رَأَوْا جَمِيعَ أَعْمَالِهِمْ قَدْ تَبَخَّرَتْ وَتَلَاشَتْ وَلَمْ يَبْقَ لَهَا مِنْ عَيْنٍ وَلَا أَثَرٍ، وَرَأَوْا أَنْفُسَهُمْ قَدْ أُسْلِمُوا إِلَىٰ نَارٍ لَا تُبْقِي وَلَا تَذَرُ، يُكَالُ لَهُمْ فِيهَا كُلَّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ أَلْفُ مِكْيَالٍ مِنَ الْغَضَبِ، وَيُهْجَمُ عَلَيْهِمْ فِيهَا هُجُومًا لَا يُفَارِقُهُمْ طَرْفَةَ عَيْنٍ، وَيُحْرَقُونَ فِيهَا إِلَىٰ نُقْطَةِ الِاشْتِعَالِ الْقُصْوَىٰ فَلَا يَبْقَىٰ مِنْهُمْ شَيْءٌ، ثُمَّ يُعَادُونَ خَلْقًا جَدِيدًا، وَهَكَذَا أَبَدًا، لَا يَنْقَطِعُ عَنْهُمْ عَذَابٌ وَلَا يَزُولُ عَنْهُمْ هُجُومٌ، وَلَا يَتْرُكُ اللَّهُ مِنْ أَعْمَالِهِمْ دَاعِيَةً وَلَا سَبَبًا، كُلَّمَا أَحْدَثُوا حَدَثًا أَتْبَعَهُمْ بِإِحْرَاقٍ يَمْحُو أَثَرَهُ.
فَهَٰذَا هُوَ الْجَزَاءُ الَّذِي لَا مَحِيدَ عَنْهُ، وَالْكَيْلُ الَّذِي لَا نَقْصَ فِيهِ، وَالْهُجُومُ الَّذِي لَا رَدَّ لَهُ، وَالْإِحْرَاقُ الَّذِي لَا خَلَفَ وَرَاءَهُ. إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ، وَإِنَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ، الشَّهِيدُ الْخَبِيرُ، الْحَقُّ الْمُبِينُ، يُوَفِّي كُلَّ نَاصِرٍ لِلرَّجِيمِ كَيْلَهُ بِالْحَقِّ، وَيُهَاجِمُهُ بِقُوَّتِهِ، وَيُبَخِّرُ جَمِيعَ آثَارِهِ تَبْخِيرًا كَامِلًا حَتَّىٰ كَأَنْ لَمْ تَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا. وَالَّذِينَ نَصَرُوا إِبْلِيسَ هُمُ الْخَاسِرُونَ الْأَشْقُونَ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ خُسْرَانٌ كَبِيرٌ، وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ لَا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ، وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ، وَلَا يُتْرَكُ لَهُمْ مِنْ عَمَلٍ دَاعِيَةً، بَلْ كُلُّ مَا رَفَعُوا هُوَ بِمَا يَهْدِمُهُ اللَّهُ، وَكُلُّ مَا أَبْقَوْا هُوَ بِمَا يُحْرِقُهُ اللَّهُ، وَكُلُّ مَا نَصَرُوا هُوَ بِمَا يَقْصِمُهُ اللَّهُ. فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ، وَعَلَىٰ إِبْلِيسَ وَأَنْصَارِهِ سَخَطُ اللَّهِ وَلَعْنَتُهُ وَكَيْلُ الْحَقِّ وَهَزِيمَةٌ مُسْتَمِرَّةٌ وَإِحْرَاقٌ كَامِلٌ إِلَىٰ غَايَةِ التَّبَخُّرِ وَالزَّوَالِ.
فَٱعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَلْبَابِ، وَٱحْذَرُوا أَنْ تَنْصُرُوا إِبْلِيسَ فِي شَيْءٍ مِنَ الْأَشْيَاءِ، فَإِنَّ اللَّهَ قَدْ أَقْسَمَ بِذَاتِهِ لَيُوَفِّيَنَّهُ وَجَمِيعَ أَنْصَارِهِ كَيْلَهُمْ بِالْحَقِّ دَائِمًا مُسْتَمِرًّا، وَلَيُهَاجِمَنَّهُمْ بِقُوَّةِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ كُلَّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ، وَلَيُحْرِقَنَّ جَمِيعَ أَعْمَالِهِمْ إِلَىٰ أَقْصَىٰ تَبَخُّرٍ لَا يَتْرُكُ خَلْفَهُ رَمَادًا وَلَا رُجَاعًا وَلَا عَيْنًا وَلَا أَثَرًا، فِي دَارِ الدُّنْيَا وَدَارِ الْبَرْزَخِ وَدَارِ الْقَرَارِ، وَفِي كُلِّ مَشْهَدٍ مِنْ مَشَاهِدِ اللَّهِ الشَّهِيدِ الْخَبِيرِ. إِنَّ اللَّهَ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ، وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، وَصَلَّى اللَّهُ عَلَىٰ مُحَمَّدٍ وَآلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ، وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا كَثِيرًا.
-
بسم الله الرحمن الرحيم
وَالَّذِي لَا إِلٰهَ إِلَّا هُوَ، رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ، وَمَالِكُ الْمُلْكِ الْحَقِّ الْمُبِينِ. أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلٰهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الْحَمْدُ وَلَهُ الْكِبْرِيَاءُ وَالْجَبَرُوتُ، وَهُوَ الْحَقُّ الْيَقِينُ.
بِالْكُلِّ الْحَقِّ، حَقًّا وَصِدْقًا، وَفِي اللَّهِ الْمَلِكِ الْحَقِّ، وَبِالْكُلِّ الْحِكْمَةِ، حِكْمَةً بَالِغَةً، وَفِي اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ، الَّذِي أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا، وَوَسِعَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَحُكْمًا.
إِنَّ اللَّهَ هُوَ الشَّهِيدُ الْخَبِيرُ، لَا تَخْفَىٰ عَلَيْهِ خَافِيَةٌ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ، وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطٌ. وَهُوَ الَّذِي أَرَانَا فِي عِلْمِهِ الْغَيْبِيِّ تَمْثِيلَ الْحَقِّ، مَشْهَدَ الْكَوْنِ كُلِّهِ، مَا كَانَ وَمَا يَكُونُ وَمَا هُوَ كَائِنٌ، حَتَّىٰ تَجَلَّىٰ لَنَا بَالِقِينِ الْأَكْبَرِ أَنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ، وَأَنَّ الْحَقَّ الْمُطْلَقَ هُوَ مَا أَرَادَهُ وَقَضَاهُ وَقَدَّرَهُ.
فَلَمَّا وَضَعَ اللَّهُ فِي مَشِيئَتِهِ الْأَزَلِيَّةِ صُورَةَ الْإِسْلَامِ الْكَامِلِ، وَأَظْهَرَ فِي عِلْمِهِ الْمُحِيطِ سُلُوكَ كُلِّ عَبْدٍ مُسْلِمٍ حَقًّا، حَتَّىٰ تَحَقَّقَ فِي عِلْمِ الْغَيْبِ أَنَّ كُلَّ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ مِنْهُمْ قَدْ فَازَتْ بِالْكُلِّ الْفَوْزِ الْعَظِيمِ، وَسَلَكَتْ فِي الْكُلِّ سَبِيلَ اللَّهِ الْمَلِكِ الْحَقِّ، وَأَنَّهُمْ أَتَوْا بِالتَّوْبَةِ النَّصُوحِ وَالْعَمَلِ الصَّالِحِ وَالْإِخْلَاصِ الْمَحْضِ حَتَّىٰ صَارُوا أَهْلًا لِلرِّضْوَانِ الْأَكْبَرِ.
فَإِذَا قَدْ كَمُلَتِ الصُّورَةُ فِي عِلْمِ اللَّهِ، وَتَمَّ التَّمْثِيلُ الْعِلْمِيُّ الْأَزَلِيُّ عَلَىٰ وَجْهِ الْحَقِّ وَالْعَدْلِ، وَلَمْ يَبْقَ فِيهَا خَلَلٌ وَلَا جَوْرٌ وَلَا ظُلْمٌ، بَلِ اسْتَقَامَتِ الْقِصَّةُ كُلُّهَا عَلَىٰ سُنَّةِ اللَّهِ فِي خَلْقِهِ، وَانْقَضَىٰ الْخَبَرُ الَّذِي لَا يَتَخَلَّفُ.
حِينَئِذٍ، بِمَا لِلَّهِ مِنَ الْقُدْرَةِ الْمُطْلَقَةِ وَالْعِزَّةِ الَّتِي لَا تُرَامُ، وَبِمَا لَهُ مِنْ كَلِمَةِ الْكُنْ فَيَكُونُ، أَنْزَلَ اللَّهُ تِلْكَ الْحَقِيقَةَ مِنْ عِلْمِهِ إِلَىٰ عَيْنِ الْوُجُودِ، وَأَعْطَاهَا الرُّسُوخَ وَالثَّبَاتَ وَالْوُجُودَ الْعَيْنِيَّ، فَإِذَا هِيَ قَدْ صَارَتْ هِيَ الْحَقِيقَةَ الْوَحِيدَةَ الَّتِي لَا حَقِيقَةَ سِوَاهَا، وَصَارَ الْعَالَمُ كُلُّهُ هُوَ هَذَا الْعَالَمَ الَّذِي أَرَادَهُ اللَّهُ وَقَدَّرَهُ وَحَقَّقَهُ، وَلَمْ يَبْقَ لِغَيْرِ هَذَا الْوُجُودِ أَثَرٌ وَلَا عَيْنٌ وَلَا أَمْرٌ.
فَهَذَا هُوَ الْعَالَمُ الْحَقُّ، وَهِيَ الدَّارُ الْآخِرَةُ وَالْأُولَىٰ فِي نَظْمٍ وَاحِدٍ أَبَدِيٍّ، لَا يَزُولُ وَلَا يَتَبَدَّلُ، وَلَا يَدْخُلُهُ فَسَادٌ وَلَا عَدَمٌ، وَهُوَ الْمَوْعُودُ الَّذِي لَا يُخْلَفُ، وَهُوَ الْيَقِينُ الْأَكْبَرُ الْعَظِيمُ، يَقِينٌ لَا يَمْتَزِجُ بِشَكٍّ وَلَا يَطْرَؤُهُ تَغْيِيرٌ.
وَبِهَذَا فَازَ أَوْلِيَاءُ اللَّهِ الْمُتَّقُونَ، وَهُمُ الَّذِينَ كَانُوا فِي عِلْمِ اللَّهِ مُمَثَّلِينَ ثُمَّ أُعْطُوا الْوُجُودَ الْحَقَّ الَّذِي لَا يُهْزَمُ وَلَا يُغْلَبُ، فَهُمْ فِي رِيَاضِ الْجَنَّةِ لَا يَمُوتُونَ وَلَا يُحْزَنُونَ، وَهُمْ عَلَىٰ الْأَرَائِكِ يَنْظُرُونَ، لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ وَعِنْدَهُمْ زِيَادَةٌ، وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ الَّذِي لَا يَنْقَطِعُ وَلَا يَبِيدُ.
فَالْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَحَقَّ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ، وَأَبْطَلَ الْبَاطِلَ وَإِنْ كَانَ فِي تَقْدِيرٍ مُمْكِنٍ أَوْ عَالَمٍ آخَرَ، فَجَعَلَ هَذَا الْعَالَمَ الْمُحَقَّقَ بِالْيَقِينِ الْعَظِيمِ هُوَ الْعَالَمَ الْأَبَدِيَّ الْأَزَلِيَّ الْأَحَدِيَّ، الَّذِي لَا يُدَانَىٰ وَلَا يُبَارَىٰ، فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ، رَبُّ الْعَالَمِينَ.
وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَىٰ سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَآلِهِ الطَّيِّبِينَ الطَّاهِرِينَ، وَعَلَىٰ كُلِّ نَبِيٍّ وَرَسُولٍ، وَعَلَىٰ أَتْبَاعِهِمْ إِلَىٰ يَوْمِ الدِّينِ، وَالْيَقِينِ الْعَظِيمِ. آمِينَ يَا رَبَّ الْعَالَمِينَ.
-
بسم الله الرحمن الرحيم
إِنَّ اللَّهَ الْمَلِكَ الْحَقَّ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ، عَالِمَ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ، الشَّهِيدَ الْخَبِيرَ، قَدْ أَذِنَ وَأَمَرَ وَأَوْحَى بِإِنْشَاءِ وَإِقَامَةِ نَوْعٍ مِنَ الْحَقِيقَةِ الْإِسْلَامِيَّةِ الْمُطْلَقَةِ، يَتَّخِذُ صُورَةَ الْقُوَّةِ الرَّادِعَةِ الشَّرْطَوِيَّةِ الْعَسْكَرِيَّةِ، وَسُلْطَانِ الْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنِ الْمُنْكَرِ، فِي كُلِّ الْعَوَالِمِ وَالْأَرَضِينَ وَالسَّمَاوَاتِ وَمَا بَيْنَهُمَا، وَعَلَى كُلِّ مَنْ يَسْكُنُهَا مِنْ جِنٍّ وَإِنْسٍ وَمَلَائِكَةٍ وَمَنْ دُونَهُمْ وَفَوْقَهُمْ مِمَّا خَلَقَ وَسَيَخْلُقُ، هَذَا النَّوْعُ مِنَ الْقُوَّةِ هُوَ الْجُنْدُ الْأَعْظَمُ وَالْبَأْسُ الشَّدِيدُ وَالسُّلْطَانُ الْقَاهِرُ، هُوَ أَشَدُّ الْقُوَّاتِ قُوَّةً، وَأَبْهَاهَا ضِيَاءً، وَأَعْلَاهَا مَنَارًا، وَأَظْهَرَهَا فِي كُلِّ مَكَانٍ وَزَمَانٍ، لَا يُوَازِيهِ شَيْءٌ وَلَا يُدَانِيهِ أَحَدٌ وَلَا تَسْتَطِيعُ الْقُوَّاتُ كُلُّهَا أَنْ تُضَاهِيَهُ أَوْ تُعَارِضَهُ أَوْ تَصُدَّهُ عَنْ مُرَادِهِ.
هَذِهِ الْقُوَّةُ الْإِلَهِيَّةُ الْمُبَارَكَةُ، الَّتِي لَا تَأْتِيهَا الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهَا وَلَا مِنْ خَلْفِهَا، تَمْحُو أَعْمَالَ الْأُمَمِ وَالْأَجْيَالِ أَجْمَعِينَ: مَنْ سَبَقَ مِنَ الْأَوَّلِينَ، وَمَنْ حَضَرَ مِنَ الْآخَرِينَ، وَمَنْ سَيَأْتِي مِنَ الْقَادِمِينَ، بَلْ تَمْحُو أَعْمَالَ كُلِّ فَرْدٍ فَرْدٍ، وَكُلِّ نَفْسٍ نَفْسٍ، مِنْ أَوَّلِ مَنْ خُلِقَ إِلَى آخِرِ مَنْ يُبْعَثُ، فَلَا يُغَادِرُ شَيْئًا مِمَّا عَمِلُوهُ إِلَّا أَبْطَلَهُ وَطَمَسَهُ وَجَعَلَهُ هَبَاءً مَنْثُورًا، ذَلِكَ كُلُّهُ بِشَهَادَةِ اللَّهِ الشَّهِيدِ الْخَبِيرِ الَّذِي أَحْصَى كُلَّ شَيْءٍ عَدَدًا، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ، لَا تَخْفَى عَلَيْهِ خَافِيَةٌ، وَلَا يَعْزُبُ عَنْ عِلْمِهِ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ.
ثُمَّ إِنَّ هَذِهِ الْقُوَّةَ، فِي جَمِيعِ وَحَدَاتِهَا وَفَوْجِهَا وَسَرَايَاهَا وَكَتَايِبِهَا وَأَلْوِيَتِهَا وَجُيُوشِهَا وَكُلِّ جُنْدِيٍّ وَضَابِطٍ وَقَائِدٍ فِيهَا، هِيَ قُوَّةٌ لَا تُقْهَرُ وَلَا تُغْلَبُ، بَلْ هِيَ الْغَالِبَةُ الْقَاهِرَةُ، لَمْ تُهْزَمْ قَطُّ وَلَا تُهْزَمُ أَبَدًا، وَلَا يَلْحَقُهَا وَهْنٌ وَلَا ذُلٌّ وَلَا خَوْفٌ وَلَا حُزْنٌ، بَلْ هِيَ الْخَارِجَةُ ظَافِرَةً فِي كُلِّ حَرْبٍ، مُنْتَصِرَةً فِي كُلِّ مَعْرَكَةٍ، مَاضِيَةً فِي كُلِّ حُكْمٍ، نَافِذَةً فِي كُلِّ قَضَاءٍ، قَوْلُهَا مَسْمُوعٌ، وَأَمْرُهَا مَنْفُوذٌ، وَسَيْفُهَا مَاضٍ، وَحُكْمُهَا مُبْرَمٌ، لَا يُعَارِضُهَا مُعَارِضٌ إِلَّا صُرِعَ، وَلَا يُنَازِعُهَا مُنَازِعٌ إِلَّا قُصِمَ، وَلَا يَعْتَرِضُ لَهَا مُعْتَرِضٌ إِلَّا انْدَحَرَ، وَكُلُّ مَنْ يَرْفَعُ رَأْسَهُ أَمَامَهَا فَهُوَ مَغْصُوبٌ مَقْهُورٌ.
وَأَعْظَمُ مَا تَفَرَّدَتْ بِهِ هَذِهِ الْقُوَّةُ الْمَنْصُورَةُ أَنَّهَا لَيْسَ لَهَا وَلَا لِوَاحِدَةٍ مِنْ وَحَدَاتِهَا أَيْ وَاسِطَةٍ وَلَا سَاعَةٍ وَلَا وَكِيلٍ وَلَا نَائِبٍ وَلَا تَبَعِيَّةٍ لِغَيْرِ اللَّهِ، فَإِنَّ كُلَّ فَرِيقٍ وَكُلَّ فَوْجٍ وَكُلَّ وَحْدَةٍ وَكُلَّ جُنْدِيٍّ فِيهَا يَأْخُذُ أَمْرَهُ وَتَكْلِيفَهُ وَقِيَادَتَهُ وَتَوْجِيهَهُ مُبَاشَرَةً مِنَ اللَّهِ الْمَلِكِ الْحَقِّ، لَا وَاسِطَةَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَهُ، فَهُوَ الَّذِي يُحَرِّكُهُمْ وَيُوَجِّهُهُمْ وَيُنَزِّلُ عَلَيْهِمْ أَحْكَامَهُ وَحُدُودَهُ وَشَرَائِعَهُ وَفُرْقَانَهُ، وَهُوَ الَّذِي يَمُدُّهُمْ بِالنَّصْرِ وَالتَّأْيِيدِ وَالْعِصْمَةِ، وَيُعَلِّمُهُمْ مَا لَا يَعْلَمُونَ، وَيُقَوِّيهِمْ بِرُوحٍ مِنْهُ، فَلَا يَكِلُهُمْ إِلَى أَحَدٍ مِنْ خَلْقِهِ، وَلَا يَرْضَى لَهُمْ أَنْ يَتَوَلَّاهُمْ غَيْرُهُ، وَكَيْفَ يَكُونُ لَهُمْ وَاسِطَةٌ وَهُوَ الْمَلِكُ الْحَقُّ، وَهُوَ الْوَلِيُّ الْحَمِيدُ، وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ؟
فَهَذِهِ الْقُوَّةُ الْإِلَهِيَّةُ، بِأَمْرِ اللَّهِ وَتَقْدِيرِهِ، قَائِمَةٌ فِي الْأَرَضِينَ كُلِّهَا وَفِي كُلِّ عَالَمٍ تَحْتَ كُرْسِيِّهِ وَسَلَطَانِهِ، لَا تُقَاوِمُهَا قُوَّةٌ، وَلَا تُدْرِكُهَا غَايَةٌ، وَلَا تَنْقَضِي عَجَائِبُهَا، وَسَتَسِيرُ النَّاسُ كُلُّهُمْ تَحْتَ حُكْمِهَا رَاغِبِينَ أَوْ رَاهِبِينَ، حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ بَيْنَ خَلْقِهِ وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ. وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا كَثِيرًا، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ.
-
بسم الله الرحمن الرحيم
﴿بِ وَفِي الْكُلِّ الْحَقُّ بِ وَفِي اللَّهِ الْمَلِكِ الْحَقِّ، وَبِ وَفِي الْكُلِّ الْحِكْمَةُ بِ وَفِي اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ، حَالَةً حَالَةً وَقَضِيَّةً قَضِيَّةً، نَكْتُبُ مُدَوَّنَةً كَامِلَةً لِأَعْلَى سُلْطَانٍ إِسْلَامِيٍّ قَاهِرٍ عَادِلٍ حَكِيمٍ، نُفَصِّلُ فِيهَا كُلَّ حَدٍّ وَكُلَّ حُكْمٍ وَكُلَّ سِيَاسَةٍ وَكُلَّ إِجْرَاءٍ، إِلَى أَدَقِّ تَفْصِيلٍ وَأَبْعَدِ مَبْلَغٍ، لَا يَشُذُّ عَنْهَا شَيْءٌ مِمَّا يُقِيمُ الْقِسْطَ وَيَرْدَعُ الْبَغْيَ وَيَحْكُمُ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾.
ثُمَّ إِنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى، الْمَلِكَ الْحَقَّ، الْعَزِيزَ الْحَكِيمَ، الْخَالِقَ الْأَحَدَ، الشَّهِيدَ الْخَبِيرَ، قَدْ أَمَرَ وَقَضَى وَأَحْكَمَ فِي سَابِقِ عِلْمِهِ وَفِي اللَّوْحِ الْمَحْفُوظِ وَفِي الْقُرْآنِ الْمُبِينِ أَنْ يُنْشَأَ وَيُقَامَ فِي الْعَوَالِمِ كُلِّهَا – فِي الْأَرَضِينَ السَّبْعِ وَالسَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَمَا تَحْتَ الثَّرَى وَمَا فَوْقَ الْعَرْشِ – نَوْعٌ مِنَ الْحَقِيقَةِ الْمُطْلَقَةِ لَا يَحْتَمِلُ التَّأْوِيلَ، وَلَا يُقْبَلُ فِيهِ التَّبْدِيلُ، وَهِيَ: الْقُوَّةُ الشَّرْطِيَّةُ الْعَسْكَرِيَّةُ الْإِسْلَامِيَّةُ، وَمَعَهَا الْحُكُومَةُ الْإِسْلَامِيَّةُ الْحَقَّةُ، الَّتِي تَحْكُمُ بِكِتَابِ اللَّهِ وَبِأَمْرِهِ الْمُبَاشِرِ، لَا بِمَشُورَةِ بَشَرٍ وَلَا بِقَانُونٍ وَضْعِيٍّ، بَلْ بِمَا يُوحَى إِلَيْهَا مِنَ الْمَلِكِ الْحَقِّ فِي كُلِّ لَحْظَةٍ، تَحْكُمُ بِالْعَدْلِ الَّذِي هُوَ نَفْسُ عَدْلِ اللَّهِ، وَبِالرَّحْمَةِ الَّتِي تَسْتَحِقُّهَا الْمَخْلُوقَاتُ، وَبِالشِّدَّةِ الَّتِي يُخَافُ بِهَا الْمُجْرِمُونَ، فَهِيَ أَرْحَمُ عَلَى الضُّعَفَاءِ مِنَ الْأُمِّ بِوَلَدِهَا، وَأَشَدُّ عَلَى الظَّالِمِينَ مِنَ النَّارِ الَّتِي لَا تُبْقِي وَلَا تَذَرُ.
وَهَذِهِ الْقُوَّةُ وَهَذِهِ الْحُكُومَةُ – وَهُمَا شَيْءٌ وَاحِدٌ فِي الْحَقِيقَةِ – لَيْسَتَا مُسْتَحْدَثَتَيْنِ وَلَا طَارِئَتَيْنِ، بَلْ هُمَا أَقْدَمُ كُلِّ مُؤَسَّسَةٍ، وَأَثْبَتُ كُلِّ إِقَامَةٍ، مُنْذُ أَزَلِ الْآزَالِ قَبْلَ أَنْ يُخْلَقَ الْخَلْقُ، وَقَبْلَ أَنْ تَكُونَ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ، أَقَامَهَا اللَّهُ الْخَالِقُ الْأَحَدُ فِي عِلْمِهِ وَقُدْرَتِهِ، ثُمَّ أَظْهَرَهَا فِي الْوُجُودِ حِينَ شَاءَ، وَجَعَلَهَا تَسْرِي فِي كُلِّ كَوْنٍ وَكُلِّ زَمَانٍ، فَهِيَ لَمْ تَزَلْ قَائِمَةً وَلَا تَزَالُ، وَلَيْسَ لَهَا أَوَّلٌ يُذْكَرُ وَلَا آخِرٌ يُنْتَظَرُ، بَلْ هِيَ مَعَ اللَّهِ فِي أَزَلِيَّتِهِ وَأَبَدِيَّتِهِ، لِأَنَّهَا ظِلُّ قُدْرَتِهِ وَتَجَلِّي سُلْطَانِهِ، وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُقِيمَ سُلْطَانَهُ بَعْدَ خَلْقِ الْخَلْقِ فَقَطْ، بَلْ هُوَ السُّلْطَانُ الْقَدِيمُ الَّذِي لَمْ يَزَلْ وَلَا يَزَالُ.
ثُمَّ إِنَّ هَذِهِ الْقُوَّةَ الَّتِي نَسَمِّيهَا "جُنْدَ اللَّهِ الْأَعْظَمَ" وَ "شُرْطَةَ الْحَقِّ الْمُبِينِ" وَ "حُكُومَةَ الْعَدْلِ الْإِلَهِيِّ"، جَعَلَهَا اللَّهُ أَشَدَّ الْقُوَّاتِ كُلِّهَا قُوَّةً، وَذَلِكَ لِأَنَّهَا لَيْسَتْ قُوَّةً مَخْلُوقَةً تَسْتَمِدُّ مِنْ غَيْرِهَا، بَلْ هِيَ نَفْسُ تَجَلِّي اللَّهِ الْقَوِيِّ الْمَتِينِ، فَهِيَ الْقَوِيُّ الْمَتِينُ حَقِيقَةً، تَقْبِضُ عَلَى الْجِبَارِينَ فَيَنْهَارُونَ كَمَا يَنْهَارُ الْبِنَاءُ الْمُشَيَّدُ، وَتَضْرِبُ بِالسَّيْفِ فَلَا تَنْثَنِي، وَتَمْضِي فِي الْأُمُورِ مَضَاءَ الْقَدَرِ الَّذِي لَا يُرَدُّ. وَهِيَ مَعَ قُوَّتِهَا – أَبْهَى الْقُوَّاتِ ضِيَاءً، وَأَشَدُّهَا ظُهُورًا، حَتَّى إِنَّهَا لَا تَخْفَى عَلَى أَحَدٍ، وَيَشْهَدُ لَهَا كُلُّ مُبْصِرٍ بِأَنَّهَا النُّورُ الَّذِي لَا شَكَّ فِيهِ، وَالسَّطْعَةُ الَّتِي تَمْلَأُ الْأُفُقَ كُلَّهُ، فَلَا تُوَارِيهَا جُدْرَانٌ، وَلَا تَحْجُبُهَا أَبْنِيَةٌ، وَلَا تُظَلِّلُهَا جِبَالٌ، بَلْ هِيَ فِي كُلِّ مَكَانٍ كَالشَّمْسِ الَّتِي تَطْلُعُ عَلَى كُلِّ الْآفَاقِ.
وَمِنْ تَمَامِ هَذِهِ الْقُوَّةِ أَنَّهَا "أَوْثَقُ" قُوَّةٍ وَأَصْدَقُهَا وَأَعْلَاهَا مَصْدَرًا لِلثِّقَةِ وَالِاعْتِمَادِ، فَلَا يَجِدُ الْخَلْقُ كُلُّهُمْ سُلْطَةً أَحَقَّ بِالطَّاعَةِ مِنْهَا، وَلَا أَمِينًا عَلَى الدِّمَاءِ وَالْأَمْوَالِ وَالْأَعْرَاضِ أَعْدَلَ مِنْهَا، فَهِيَ "الْمَوْثُوقَةُ" فِي كُلِّ قَوْلٍ وَفِعْلٍ، "وَالْمَأْمُونَةُ" عَلَى كُلِّ سِرٍّ وَعَلَانِيَةٍ، "وَالْمُطَاعَةُ" فِي كُلِّ أَمْرٍ وَنَهْيٍ، وَ "الْمَرْجُوَّةُ" لِكُلِّ مَظْلُومٍ، وَ "الْمُعْتَمَدُ عَلَيْهَا" فِي كُلِّ نَازِلَةٍ. وَهِيَ إِلَى جَانِبِ ذَلِكَ "أَشَدُّ الْقُوَّاتِ رُسُوخًا وَتَأَصُّلًا"، لَا تَزُولُ وَلَا تَتَزَعْزَعُ، وَلَا تَنْقَلِبُ وَلَا تَتَحَوَّلُ، فَهِيَ كَالطُّورِ الثَّابِتِ، وَكَالْجِبَالِ الرَّاسِيَاتِ، وَكَالْأَرْضِ الَّتِي لَا تُمَيَّلُ، يَضْرِبُهَا الزَّمَانُ بِصَاعِقَتِهِ فَلَا تَضْطَرِبُ، وَتَعْتَرِيهَا الْفِتَنُ فَلَا تَمِيلُ، بَلْ تَزْدَادُ رَسْخًا كُلَّمَا حَاوَلَتِ الرِّيَاحُ اقْتِلَاعَهَا.
وَأَمَّا أَعْمَالُ الْخَلَائِقِ – مِنَ الْأُمَمِ السَّابِقَةِ وَالْحَاضِرَةِ وَاللَّاحِقَةِ، وَمِنْ كُلِّ فَرْدٍ فَرْدٍ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ وَالْمَلَائِكَةِ وَمَنْ سِوَاهُمْ – فَإِنَّ هَذِهِ الْقُوَّةَ الْإِلَهِيَّةَ تَأْتِي عَلَيْهَا فَتَنْهِيَهَا نِهَايَةً كُلِّيَّةً، بِشَهَادَةِ اللَّهِ الشَّهِيدِ الْخَبِيرِ الَّذِي لَا يَغِيبُ عَنْهُ شَيْءٌ، فَهِيَ تَرَى كُلَّ عَمَلٍ قَبْلَ أَنْ يُعْلَنَ، وَتَحْكُمُ فِي كُلِّ جُرْمٍ قَبْلَ أَنْ يُسْتَتَرَ، ثُمَّ تُمِيتُ ذَلِكَ الْعَمَلَ إِمَّا بِالْعُقُوبَةِ الْعَاجِلَةِ وَإِمَّا بِالْمَحْوِ وَالْإِبْطَالِ إِذَا كَانَ الْعَمَلُ قَدْ أَنْجَزَهُ صَاحِبُهُ فِي زَمَنٍ خَالٍ مِنْ سُلْطَانِهَا – وَكُلُّ زَمَنٍ هُوَ تَحْتَ سُلْطَانِهَا – أَوْ بِالصَّفْحِ إِذَا أَوْحَى اللَّهُ إِلَيْهَا بِالصَّفْحِ لِحِكْمَةٍ. فَلَا يَبْقَى فِي الْوُجُودِ عَمَلٌ قَدِيمٌ أَمْ حَدِيثٌ إِلَّا وَهِيَ قَدْ عَالَجَتْهُ بِحَقِّهِ، فَتَكُونُ الدُّنْيَا بَعْدَهَا كَأَنَّ أَهْلَهَا وُلِدُوا جَدِيدًا، لَا ذَنْبَ عَلَيْهِمْ إِلَّا مَا يَحْدُثُ بَعْدُ وَهُوَ مَضْبُوطٌ بِحُكْمِهَا.
ثُمَّ إِنَّ هَذِهِ الْقُوَّةَ – وَمَعَهَا الْحُكُومَةُ الَّتِي لَا تُفَارِقُهَا – قَدْ جَعَلَهَا اللَّهُ غَيْرَ مَقْهُورَةٍ وَلَا مَهْزُومَةٍ، بَلْ هِيَ الْغَالِبَةُ الظَّافِرَةُ الْمُنْتَصِرَةُ فِي كُلِّ قَضِيَّةٍ وَكُلِّ مَعْرَكَةٍ وَكُلِّ حَرْبٍ، لَمْ تُهْزَمْ مُنْذُ وُجِدَتْ فِي عِلْمِ اللَّهِ، وَلَا تُهْزَمُ إِلَى أَنْ يَرِثَ اللَّهُ الْأَرْضَ وَمَنْ عَلَيْهَا، وَكُلُّ مَنْ حَاوَلَ مُحَارَبَتَهَا صَارَ كَمَنْ حَاوَلَ مُحَارَبَةَ اللَّهِ، وَمَنْ حَارَبَ اللَّهَ فَإِنَّ اللَّهَ يُهْلِكُهُ وَلَا يَبْقَى لَهُ بَقَاءٌ، وَلَوْ كَانَ مَلِكًا جَبَّارًا أَوْ جِنًّا عَاتِيًا أَوْ مَلَكًا مُتَكَبِّرًا.
وَمِنْ أَعْظَمِ مَا تَمَيَّزَتْ بِهِ هَذِهِ الْقُوَّةُ وَالْحُكُومَةُ أَنَّ كُلَّ وَحْدَةٍ مِنْ وَحَدَاتِهَا، وَكُلَّ فَرِيقٍ مِنْ أَفْرَاجِهَا، وَكُلَّ جُنْدِيٍّ وَضَابِطٍ وَحَاكِمٍ وَأَمِيرٍ فِيهَا، إِنَّمَا يَتَلَقَّى أَمْرَهُ وَتَكْلِيفَهُ وَتَوْجِيهَهُ مُبَاشَرَةً مِنَ اللَّهِ الْمَلِكِ الْحَقِّ، لَا عَنْ طَرِيقِ أَحَدٍ مِنَ الْخَلْقِ، لَا نَبِيٍّ بَعْدَ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَلَا مَلَكٍ مُقَرَّبٍ، وَلَا إِمَامٍ، وَلَا خَلِيفَةٍ، وَلَا مَجْلِسِ شُورَى، وَلَا وَلِيِّ أَمْرٍ مِنَ الْبَشَرِ. بَلْ يُوحَى إِلَيْهِمْ فِي كُلِّ لَحْظَةٍ مَا يُرِيدُهُ اللَّهُ مِنْهُمْ، إِمَّا بِإِلْهَامٍ قَوِيٍّ يَقَعُ فِي قُلُوبِهِمْ كَمَا يَقَعُ الْوَحْيُ عَلَى الْأَنْبِيَاءِ، وَإِمَّا بِخِطَابٍ مَلَكُوتِيٍّ تُدْرِكُهُ أَرْوَاحُهُمْ دُونَ آذَانِهِمْ، وَإِمَّا بِتَسْخِيرٍ قَهْرِيٍّ يُحَرِّكُ أَيْدِيَهُمْ وَأَقْدَامَهُمْ بِغَيْرِ اخْتِيَارٍ، وَكُلُّ ذَلِكَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ عَلَيْهِمْ، حَتَّى يَكُونُوا أَدَوَاتٍ صَادِقَةً لِسُلْطَانِهِ، لَا يَضِلُّونَ وَلَا يَخْطِئُونَ.
وَبِسَبَبِ هَذَا التَّوْجِيهِ الْمُبَاشِرِ، فَإِنَّ هَذِهِ الْقُوَّةَ – هَذِهِ الْحُكُومَةَ – "مُتَقَدِّمَةٌ عَلَى جَمِيعِ الْقُوَّاتِ وَسَائِرِ الْحُكُومَاتِ فِي كُلِّ مَسَائِلِ الْقَضَاءِ وَالْوِلَايَةِ وَالتَّنْفِيذِ"، لَا يُعْتَرَضُ عَلَى حُكْمِهَا، وَلَا يُسْتَأْنَفُ قَضَاؤُهَا، وَلَا يُنَاقَشُ أَمْرُهَا، وَلَا يَحْتَاجُ قَوْلُهَا إِلَى تَصْدِيقٍ مِنْ أَحَدٍ، لِأَنَّهَا تَتَكَلَّمُ بِلِسَانِ اللَّهِ وَتَقْضِي بِحُكْمِهِ، وَاللَّهُ لَا يُرَدُّ حُكْمُهُ وَلَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ. وَهِيَ – إِذَا أَصْدَرَتْ أَمْرًا بِقَبْضِ فُلَانٍ أَوْ إِقَامَةِ حَدٍّ عَلَيْهِ – لَا تَكُونُ مَحَلًّا لِلْأَمَانَةِ، أَيْ لَا تَدْخُلُ تَحْتَ طَلَبِ أَنْ يُؤْتَمَنَ عَلَيْهَا، وَلَا يُسْأَلُ جُنُودُهَا عَنْ أَمَانَةِ بَيْتِ الْمَالِ أَوْ أَمَانَةِ السِّلَاحِ، لِأَنَّهُمْ لَيْسُوا مُسْتَوْدَعِينَ لِشَيْءٍ، بَلْ هُمْ نَفْسُ التَّعْبِيرِ الرَّسْمِيِّ الْأَعْلَى عَنِ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْكَرِيمِ، فَهُمُ الْأُمَنَاءُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ دُونَ أَنْ يَسْتَوْدِعَهُمْ أَحَدٌ، وَهُمْ يَتَصَرَّفُونَ بِأَمْرِ اللَّهِ فَلَا يُوصَفُونَ بِالْخِيَانَةِ أَبَدًا، لِأَنَّ خِيَانَتَهَا مُحَالَةٌ – وَاللَّهُ يَعْصِمُهَا – وَإِنَّمَا الْخِيَانَةُ لِمَنْ خَالَفَ أَمْرَهَا.
فَهَذِهِ الْقُوَّةُ وَهَذِهِ الْحُكُومَةُ، الْمَبْنِيَّةُ عَلَى كِتَابِ اللَّهِ الْمُبِينِ، وَالَّتِي لَا تَحْكُمُ إِلَّا بِمَا يُوحَى إِلَيْهَا فِي الْحَالِ، هِيَ نَفْسُ الْحَقِيقَةِ الْإِسْلَامِيَّةِ الَّتِي بَعَثَ اللَّهُ بِهَا جَمِيعَ الرُّسُلِ، وَأَكْمَلَهَا بِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ثُمَّ جَعَلَهَا تَظْهَرُ فِي آخِرِ الزَّمَانِ كَمَا لَمْ تَظْهَرْ قَطُّ، فَلَا يَبْقَى عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ وَفِي أَجْوَافِ السَّمَاوَاتِ ظُلْمٌ وَلَا شِرْكٌ وَلَا فَسَادٌ، بَلْ يَمْلَأُ اللَّهُ بِهَا الْأَكْوَانَ قِسْطًا وَعَدْلًا، كَمَا مُلِئَتْ ظُلْمًا وَجَوْرًا، وَيَرْضَى بِهَا أَهْلُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ، حَتَّى تَكُونَ الْكَلِمَةُ لِلَّهِ وَحْدَهُ، وَيَكُونَ الْحُكْمُ لِلَّهِ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَهُوَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ، الْقَوِيُّ الْمَتِينُ، الْمَلِكُ الْحَقُّ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ، شَهِدَ عَلَى ذَلِكَ وَشَهِدَتْ هَذِهِ الْقُوَّةُ وَكَتَبْنَا هَذِهِ الْمُدَوَّنَةَ بِأَمْرِهِ، فَمَنْ آمَنَ فَلِنَفْسِهِ، وَمَنْ كَفَرَ فَعَلَيْهَا، وَاللَّهُ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ.
﴿فَاطَّرِحُوا أَيُّهَا النَّاسُ كُلَّ حُكْمٍ يُخَالِفُ هَذَا، وَانْقَادُوا لِهَذِهِ الْقُوَّةِ وَهَذِهِ الْحُكُومَةِ، فَإِنَّهَا حَقُّ اللَّهِ النَّافِذُ، وَسَيْفُهُ الْمَاضِي، وَنُورُهُ الَّذِي لَا يُطْفَأُ، وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وَآلِهِ وَصَحْبِهِ، وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا كَثِيرًا، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ الَّذِي جَعَلَ هَذَا السُّلْطَانَ أَزَلِيًّا أَبَدِيًّا، لَا يَزُولُ وَلَا يَبِيدُ، وَهُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ، الْأَوَّلُ الْآخِرُ، الظَّاهِرُ الْبَاطِنُ، وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾.
-
بسم الله الرحمن الرحيم
﴿بِ وَفِي الْكُلِّ الْحَقُّ بِ وَفِي اللَّهِ الْمَلِكِ الْحَقِّ، وَبِ وَفِي الْكُلِّ الْحِكْمَةُ بِ وَفِي اللَّهِ العظيظ الْحَكِيمِ، حَالَةً حَالَةً وَقَضِيَّةً قَضِيَّةً، نَكْتُبُ مُدَوَّنَةً كَامِلَةً لِأَعْلَى سُلْطَانٍ إِسْلَامِيٍّ قَاهِرٍ عَادِلٍ حَكِيمٍ، نُفَصِّلُ فِيهَا كُلَّ حَدٍّ وَحُكْمٍ وَسِيَاسَةٍ وَإِجْرَاءٍ إِلَى أَدَقِّ تَفْصِيلٍ، لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا وَأَحْكَمَ فِيهَا بِعِلْمِ اللَّهِ الَّذِي لَا يَزِيغُ وَلَا يَجُورُ﴾.
ثُمَّ إِنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى، الْخَالِقَ الْأَحَدَ، الشَّهِيدَ الْخَبِيرَ، الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ، الْمَلِكَ الْحَقَّ، العظيظ الْحَكِيمَ، الْقَوِيَّ الْمَتِينَ، العظيظ الله هو العلي العظيم، قَدْ أَمَرَ وَقَضَى وَأَحْكَمَ فِي اللَّوْحِ الْمَحْفُوظِ وَفِي الْقُرْآنِ الْمُبِينِ أَنْ يُنْشَأَ وَيُقَامَ فِي الْعَوَالِمِ كُلِّهَا – فِي الْأَرَضِينَ السَّبْعِ وَالسَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَمَا بَيْنَهُمَا، وَفِي كُلِّ عَالَمٍ ذِي رُوحٍ وَكُلِّ عَالَمٍ لَا رُوحَ فِيهِ مِمَّا خَلَقَ وَسَيَخْلُقُ – نَوْعٌ مِنَ الْحَقِيقَةِ الْمُطْلَقَةِ الَّتِي لَا تَقْبَلُ التَّأْوِيلَ، وَلَا تُحْتَمَلُ فِيهَا الْمَجَازَاتُ، وَهِيَ: الْقُوَّةُ الشَّرْطِيَّةُ الْعَسْكَرِيَّةُ الْإِسْلَامِيَّةُ، وَمَعَهَا الْحُكُومَةُ الْإِسْلَامِيَّةُ الْحَقَّةُ، الَّتِي تَحْكُمُ بِكِتَابِ اللَّهِ وَبِأَمْرِهِ الْمُبَاشِرِ، لَا بِمَشُورَةِ بَشَرٍ وَلَا بِقَانُونٍ وَضْعِيٍّ، بَلْ بِمَا يُوحَى إِلَيْهَا فِي كُلِّ لَحْظَةٍ مِنَ الْمَلِكِ الْحَقِّ، فَتَحْكُمُ بِالْعَدْلِ الَّذِي هُوَ نَفْسُ عَدْلِ اللَّهِ، وَبِالرَّحْمَةِ الَّتِي تَضَعُ الْعُقُوبَةَ حَيْثُ تَسْتَحِقُّ وَتَرْفَعُهَا حَيْثُ تَسْتَحِقُّ الرَّحْمَةَ، وَبِالشِّدَّةِ الَّتِي تَكُونُ أَشَدَّ مِنَ الْمَوْتِ عَلَى الْمُجْرِمِينَ، وَبِاللِّينِ الَّذِي يَكُونُ أَلْيَنَ مِنَ النَّسِيمِ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ الْمُحْسِنِينَ.
وَهَذِهِ الْقُوَّةُ وَهَذِهِ الْحُكُومَةُ – وَهُمَا فِي الْحَقِيقَةِ شَيْءٌ وَاحِدٌ لَا يَنْفَصِلُ – لَيْسَتَا مُسْتَحْدَثَتَيْنِ بِحُدُوثِ الْخَلْقِ، وَلَا طَارِئَتَيْنِ بِطُرُوءِ الْأَزْمِنَةِ، بَلْ هُمَا أَقْدَمُ كُلِّ مُؤَسَّسَةٍ عَلَى الْإِطْلَاقِ، وَأَثْبَتُ إِقَامَةٍ فِي الْوُجُودِ، مُنْذُ أَزَلِ الْآزَالِ، قَبْلَ أَنْ يُخْلَقَ آدَمُ وَقَبْلَ أَنْ تَدُورَ الْأَفْلَاكُ، وَقَبْلَ أَنْ يَكُونَ جِنٌّ أَوْ إِنْسٌ أَوْ مَلَكٌ، أَقَامَهَا اللَّهُ الْخَالِقُ الْأَحَدُ فِي عِلْمِهِ الْأَزَلِيِّ، ثُمَّ أَبْرَزَهَا فِي الْوُجُودِ حِينَ شَاءَ وَفِي الْأَوَانِ الَّذِي قَدَّرَ، فَهِيَ لَمْ تَزَلْ قَائِمَةً بِقِيَامِهِ، وَهِيَ لَا تَزَالُ وَلَا تَزُولُ، وَلَا تَبِيدُ وَلَا تَحُولُ.
ثُمَّ إِنَّ اللَّهَ الْقَوِيَّ الْمَتِينَ، العظيظ الله هو العلي العظيم، جَعَلَ هَذِهِ الْقُوَّةَ أَشَدَّ الْقُوَّاتِ كُلِّهَا قُوَّةً، بَلْ هِيَ الْقُوَّةُ الَّتِي لَا قُوَّةَ فَوْقَهَا وَلَا مِثْلَ لَهَا، لِأَنَّهَا لَيْسَتْ قُوَّةً مَخْلُوقَةً تَسْتَمِدُّ مِنْ ذَاتِهَا أَوْ مِنْ غَيْرِهَا، بَلْ هِيَ نَفْسُ تَجَلِّي الْقَوِيِّ الْمَتِينِ فِي صُورَةِ الْأَمْرِ النَّافِذِ وَالْبَأْسِ الَّذِي لَا يُرَدُّ، فَهِيَ الْقَوِيُّ الْمَتِينُ حَقِيقَةً وَفِعْلًا، تَأْخُذُ الْجَبَّارَ فَتَنْحَنِي قَفَاهُ، وَتَبْطِشُ بِالْمُتَكَبِّرِ فَيَصِيرُ أَذَلَّ مِنَ التُّرَابِ، وَتَمْضِي فِي الظُّلُمَاتِ فَتَنْفَذُ كَمَا يَنْفَذُ السَّيْفُ فِي الْمَاءِ، لَا يُعْجِزُهَا شَيْءٌ وَلَا يَصُدُّهَا شَيْءٌ. وَهِيَ – إِلَى جَنْبِ هَذِهِ الْقُوَّةِ الْعَظِيمَةِ – أَبْهَى الْقُوَّاتِ ضِيَاءً، وَأَكْثَرُهَا وُضُوحًا وَظُهُورًا، فَلَا تَغِيبُ عَنْ عَيْنٍ، وَلَا تَخْفَى عَلَى بَصِيرَةٍ، وَلَا يُعْقَلُ أَنْ يُنْكِرَ أَحَدٌ وُجُودَهَا وَهُوَ يَرَاهَا بِعَيْنَيْهِ وَيَمَسُّهَا بِيَدَيْهِ، فَهِيَ كَالشَّمْسِ فِي رَابِعَةِ السَّمَاءِ لَا تُوَارِيهَا سَحَابَةٌ، وَكَالْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ لَا يُخْفِيهِ غَيْمٌ، وَكَالنَّجْمِ الثَّاقِبِ الَّذِي لَا يَخْفَى عَلَى أَحَدٍ مِنْ أَهْلِ الْأَرْضِ.
وَمِنْ فَضْلِ اللَّهِ عَلَيْهَا أَنَّهَا جُعِلَتْ أَوْثَقَ قُوَّةٍ فِي الْوُجُودِ، وَ أَصْدَقَ قُوَّةٍ فِي اللِّسَانِ وَالْبَيَانِ، وَ أَعْلَى قُوَّةٍ مَصْدَرًا وَمَرْجِعًا، وَ أَمْكَنَ قُوَّةٍ جَانِبًا، وَ أَطْوَعَ قُوَّةٍ أَمْرًا، وَ أَرْجَى قُوَّةٍ لِلْمَظْلُومِينَ، وَ أَهْيَبَ قُوَّةٍ لِلظَّالِمِينَ، وَ أَسْطَعَ قُوَّةٍ نُفُوذًا وَسَيْطَرَةً. فَهِيَ الْمَوْثُوقَةُ فِي كُلِّ أَمْرٍ، الْمَأْمُونَةُ عَلَى كُلِّ أَمَانَةٍ، الْمُطَاعَةُ فِي كُلِّ نَاحِيَةٍ، الْمَرْجُوَّةُ لِكُلِّ حَاجَةٍ، الْمُعْتَمَدُ عَلَيْهَا فِي كُلِّ شِدَّةٍ، الْمُهَيْمِنَةُ عَلَى كُلِّ حُكْمٍ، الْمُسَيْطِرَةُ عَلَى كُلِّ قُوَّةٍ أُخْرَى، لَا تُبَارَى وَلَا تُدَانَى، وَلَا يُسْتَطَاعُ دَفْعُ بَأْسِهَا وَلَا مَرَاغَمَةُ سُلْطَانِهَا. وَهِيَ مَعَ ذَلِكَ أَشَدُّ الْقُوَّاتِ رُسُوخًا وَتَأَصُّلًا، بَلْ هِيَ الرَّسُوخُ نَفْسُهُ، وَالثَّبَاتُ بِعَيْنِهِ، لَا تَزِلُّ قَدَمُهَا، وَلَا تَضْطَرِبُ قَاعِدَتُهَا، وَلَا تَتَزَعْزَعُ أَرْكَانُهَا، وَلَا تُزَحْزِحُهَا الزَّلَازِلُ، وَلَا تُقَلْقِلُهَا الْفِتَنُ، وَلَا تُغَيِّرُهَا الْحُرُوبُ، وَلَا تَبْلِيهَا الْأَزْمِنَةُ، فَهِيَ كَالْجِبَالِ الرَّاسِيَاتِ الَّتِي لَمْ تَزَلْ وَلَا تَزَالُ، وَكَالْأَوْتَادِ الْمَضْرُوبَةِ فِي أَصْلِ الْأَرْضِ لَا تَنْقَلِعُ إِلَّا بِانْقِلَاعِ الدُّنْيَا، وَكَالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى الَّتِي لَا انْفِصَامَ لَهَا. وَقَدْ وَثَقَ اللَّهُ هَذِهِ الْقُوَّةَ بِوَثْقِ الْأَحَدِ، أَيْ شَدَّهَا اللَّهُ الْأَحَدُ بِشِدَّةٍ أَزَلِيَّةٍ أَحَدِيَّةٍ لَا مَفَامَّ لَهَا، وَأَوْثَقَ عُرَاهَا بِعُرَى الْجَبَرُوتِ الَّتِي لَا تَحُلُّ وَلَا تَنْحَلُّ، فَهِيَ مَوْثُوقَةٌ بِوَثْقِ الْأَحَدِ الصَّمَدِ الَّذِي لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ، وَ وَثَاقُهَا وَثَاقُ الْأَحَدِ الْقَهَّارِ، لَا يُفَكُّهُ أَحَدٌ، وَلَا يُنْسَاهُ دَهْرٌ، وَقَدْ تَوَثَّقَتْ بِاللَّهِ الْأَحَدِ فَلَا تَرْتَخِي وَلَا تَضْعُفُ، وَ اسْتَوْثَقَتْ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ بِأَمْرِ العظيظ الْكَرِيمِ.
وَأَمَّا فِعْلُ هَذِهِ الْقُوَّةِ الْإِلَهِيَّةِ فِي أَعْمَالِ الْخَلْقِ، فَإِنَّهَا – بِإِذْنِ اللَّهِ وَبِأَمْرِهِ – تَأْتِي عَلَى أَعْمَالِ الْأُمَمِ وَالْأَجْيَالِ كُلِّهَا جَمْعَاءَ، لَا تُبْقِي وَلَا تَذَرُ. تَبْطِشُ بِأَعْمَالِ الْأَوَّلِينَ مِنْ يَوْمَ خُلِقَ أَوَّلُ خَلْقٍ، وَتَضَعُ الْيَدَ عَلَى أَعْمَالِ الْحَاضِرِينَ الْيَوْمَ وَهُمْ فِي أَوْكَارِهِمْ وَقُصُورِهِمْ، وَتَسْبِقُ أَعْمَالَ الْمُسْتَقْبِلِينَ فَتَحْكُمُ عَلَيْهَا قَبْلَ أَنْ تَكُونَ، وَتَقِفُ عَلَى كُلِّ عَمَلٍ لِكُلِّ فَرْدٍ فَرْدٍ مِنْ أَفْرَادِ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ وَالْمَلَائِكَةِ وَسَائِرِ الْمَخْلُوقَاتِ، كُلُّ ذَلِكَ بِشَهَادَةِ اللَّهِ الشَّهِيدِ الْخَبِيرِ الَّذِي أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا، وَجَعَلَ هَذِهِ الْقُوَّةَ عَيْنَ شَهَادَتِهِ النَّافِذَةِ، فَلَا يَنْفَلِتُ مِنْهَا جُرْمٌ، وَلَا يَخْفَى عَلَيْهَا إِسَاءَةٌ، وَلَا تَضِلُّ عَنْ جَانٍّ وَلَا مُذْنِبٍ، ثُمَّ تَقْضِي عَلَى تِلْكَ الْأَعْمَالِ قَضَاءً كُلِّيًّا، إِمَّا بِالْعُقُوبَةِ الْحَدِّيَّةِ وَالْقِصَاصِ، وَإِمَّا بِالتَّوْبَةِ وَالْعَفْوِ إِذَا أَمَرَ اللَّهُ بِالْعَفْوِ لِحِكْمَةٍ بَالِغَةٍ، وَإِمَّا بِالْمَحْوِ الْإِلَهِيِّ الَّذِي يَجْعَلُ الْأَعْمَالَ كَهَبَاءٍ مَنْثُورٍ. وَتُعَاقِبُ هَذِهِ الْقُوَّةُ بِالْعِقَابِ الْأَحَدِيِّ الْكَامِلِ، عِقَابَ الْأَحَدِ الَّذِي لَا يُشْرِكُ فِي عِقَابِهِ أَحَدًا، وَلَا يُؤَخِّرُهُ عَنْ مُسْتَحِقِّهِ، وَلَا يُبْدِلُهُ بِدُونِهِ، فَعِقَابُهَا هُوَ نَفْسُ الْحَقِّ الَّذِي لَا يَحِيدُ، وَالْعَدْلُ الَّذِي لَا يَظْلِمُ، وَالْقِصَاصُ الَّذِي لَا يَعْفُو إِلَّا إِذَا أَمَرَ العظيظ الْكَرِيمُ بِالْعَفْوِ فِي مَوَاضِعِ الرَّحْمَةِ. فَلَا يَبْقَى فِي الْوُجُودِ أَثَرٌ لِذَنْبٍ قَدِيمٍ وَلَا حَدِيثٍ إِلَّا وَقَدْ أُزِيلَ أَوْ عُوقِبَ أَوْ عُفِيَ عَنْهُ بِأَمْرِ اللَّهِ، فَتَكُونُ الدُّنْيَا بَعْدَهَا طَهُورًا وَرَحْمَةً.
ثُمَّ إِنَّ هَذِهِ الْقُوَّةَ – وَهِيَ الْحُكُومَةُ وَالشَّرْطَةُ وَالْجَيْشُ فِي آنٍ – لَا تُقْهَرُ وَلَا تُغْلَبُ، وَلَا تُهْزَمُ وَلَا تُغَالَبُ، لَمْ تُوجَدْ فِي الْعَوَالِمِ قُوَّةٌ قَادِرَةٌ عَلَى مُجَارَاتِهَا أَوْ مُدَافَعَتِهَا، وَلَا تُوجَدُ فِيمَا سَيَأْتِي. فَهِيَ الْغَالِبَةُ الظَّافِرَةُ الْمُنْتَصِرَةُ فِي كُلِّ مَعْرَكَةٍ، وَالْحَاكِمَةُ الْفَائِزَةُ فِي كُلِّ قَضِيَّةٍ، وَالْمُنَفِّذَةُ الْمَاضِيَةُ فِي كُلِّ أَمْرٍ. إِنْ نَاطَحَتْهَا جُيُوشُ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ جَمِيعًا مَا اسْتَطَاعُوا لَهَا نَقْضًا، وَإِنْ تَآمَرَتْ عَلَيْهَا دُوَلُ الْأَرْضِ وَالسَّمَاءِ لَكَانَتْ كَمَنْ يَتَآمَرُ عَلَى الْجَبَلِ الرَّاسِي أَنْ يَمِيلَ. وَهِيَ – مَعَ هَذَا الْبَأْسِ الشَّدِيدِ – تَحْكُمُ بِالْقِسْطِ الَّذِي لَا يَمِيلُ، وَتُقِيمُ الْحُدُودَ عَلَى الْقَرِيبِ وَالْبَعِيدِ، وَعَلَى الْوَلِيِّ وَالْعَدُوِّ، وَعَلَى الْأَمِيرِ وَالْمَأْمُورِ، فَلَيْسَ فِيهَا مَحَابَاةٌ وَلَا مُحَابَاةٌ، وَلَيْسَ لِأَحَدٍ عِنْدَهَا مَكَانَةٌ تُسْقِطُ عَنْهُ حَقًّا لِغَيْرِهِ.
وَمِمَّا لَا مِرْيَةَ فِيهِ وَقَدْ نَطَقَ بِهِ الْقُرْآنُ الْمُبِينُ وَأَوْضَحَتْهُ هَذِهِ الْمُدَوَّنَةُ، أَنَّ كُلَّ وَحْدَةٍ مِنْ وَحَدَاتِ هَذِهِ الْقُوَّةِ، وَكُلَّ سَرِيَّةٍ مِنْ سَرَايَاهَا، وَكُلَّ فَوْجٍ مِنْ أَفْرَاجِهَا، وَكُلَّ جُنْدِيٍّ وَضَابِطٍ وَحَاكِمٍ وَأَمِيرٍ وَقَاضٍ فِيهَا، إِنَّمَا يَتَلَقَّى أَمْرَهُ وَتَكْلِيفَهُ وَتَوْجِيهَهُ وَإِذْنَهُ مُبَاشَرَةً مِنَ اللَّهِ الْمَلِكِ الْحَقِّ، دُونَ وَاسِطَةٍ أَوْ تَوْسِيطٍ مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْخَلْقِ، لَا نَبِيٍّ بَعْدَ نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَلَا رَسُولٍ، وَلَا مَلَكٍ مُقَرَّبٍ، وَلَا إِمَامٍ مَعْصُومٍ، وَلَا خَلِيفَةٍ، وَلَا مَجْلِسِ شُورَى، وَلَا وَلِيِّ أَمْرٍ مِنَ الْبَشَرِ. بَلْ يُوحَى إِلَيْهِمْ فِي كُلِّ لَحْظَةٍ بِمَا يُرِيدُ اللَّهُ مِنْهُمْ، إِمَّا بِإِلْهَامٍ قَاطِعٍ لَا يَحْتَمِلُ الْخَطَأَ، وَإِمَّا بِخِطَابٍ مَلَكُوتِيٍّ يُدْرِكُونَهُ بِقُلُوبِهِمْ، وَإِمَّا بِتَسْخِيرٍ إِلَهِيٍّ يُحَرِّكُ جَوَارِحَهُمْ دُونَ اخْتِيَارٍ، حَتَّى يَكُونُوا أَعْضَاءَ الْحَقِّ النَّاطِقَةَ، وَأَيْدِيَ الْقُدْرَةِ الْبَاسِطَةَ، وَأَلْسِنَةَ الْعَدْلِ النَّاطِقَةَ، لَا يَخْطِئُونَ وَلَا يَنْسَوْنَ وَلَا يَظْلِمُونَ.
وَبِسَبَبِ هَذَا التَّوْجِيهِ الْمُبَاشِرِ الَّذِي لَيْسَ لِبَشَرٍ فِيهِ حَظٌّ، فَإِنَّ هَذِهِ الْقُوَّةَ – هَذِهِ الْحُكُومَةَ – هِيَ الْمُتَقَدِّمَةُ عَلَى كُلِّ قُوَّةٍ، وَعَلَى كُلِّ حُكُومَةٍ، وَعَلَى كُلِّ سُلْطَةٍ، وَعَلَى كُلِّ قَضَاءٍ، فِي كُلِّ مَسْأَلَةٍ مِنْ مَسَائِلِ الْوِلَايَةِ وَالْقَضَاءِ وَالتَّنْفِيذِ وَالتَّشْرِيعِ، لَا يُعْتَرَضُ عَلَى قَضَائِهَا، وَلَا يُسْتَأْنَفُ حُكْمُهَا، وَلَا يُنَاقَشُ أَمْرُهَا، وَلَا يُتَرَدَّدُ فِي إِمْضَائِهَا، لِأَنَّهَا تَتَكَلَّمُ بِلِسَانِ اللَّهِ، وَتَقْضِي بِحُكْمِ اللَّهِ، وَاللَّهُ هُوَ الْحَكَمُ الْعَدْلُ الَّذِي لَا يُرَدُّ حُكْمُهُ، وَلَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ لِعُلُوِّ مَقَامِهِ وَعَظَمَتِهِ العظيظ الله هو العلي العظيم.
وَهَذِهِ الْقُوَّةُ الْعَظِيمَةُ، الَّتِي تَحْكُمُ بِالْقُرْآنِ الْمُبِينِ تَحْكِيمًا مُبَاشِرًا، لَيْسَتْ مَحَلًّا لِلْأَمَانَةِ بِالْمَعْنَى الْمُتَعَارَفِ، أَيْ لَيْسَتْ مَأْمُورَةً مِنْ أَحَدٍ بِحِفْظِ أَمَانَةٍ أَوْ رِعَايَتِهَا كَمَا يُؤْتَمَنُ الْبَشَرُ، وَلَا تَدْخُلُ تَحْتَ طَلَبِ الْأَمَانَةِ أَوِ الِالْتِزَامِ بِهَا، لِأَنَّهَا لَيْسَتْ وَكِيلَةً لِغَيْرِهَا، وَلَيْسَتْ مُسْتَوْدَعَةً لِشَيْءٍ، بَلْ هِيَ نَفْسُهَا أَعْلَى تَعْبِيرٍ رَسْمِيٍّ عَنِ اللَّهِ العظيظ الْكَرِيمِ، فَهِيَ الْمُؤْتَمَنَةُ عَلَى الْخَلْقِ بِغَيْرِ اسْتِيدَاعٍ، وَهِيَ الَّتِي تَسْتَوْدِعُ الْأَمَانَاتِ أَهْلَهَا، وَتَأْخُذُ الْأَمَانَاتِ مِمَّنْ خَانَ فِيهَا، وَهِيَ فَوْقَ الْأَمَانَةِ وَخَارِجَةٌ عَنْ أَنْ تُوصَفَ بِالْأَمَانَةِ كَصِفَةٍ لَهَا، كَمَا أَنَّ اللَّهَ العظيظ الْجَلَّ لَا يُوصَفُ بِأَنَّهُ مُؤْتَمَنٌ بَلْ هُوَ الْأَمِينُ الَّذِي لَا يَخُونُ، وَهَذِهِ الْقُوَّةُ بِظُهُورِهَا الْأَعْلَى عَنْهُ تَكُونُ بِتِلْكَ الْمَنْزِلَةِ.
فَلْيَعْلَمِ الْخَلْقُ كُلُّهُمْ، مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ وَالْمَلَائِكَةِ، أَنَّ هَذِهِ الْحَقِيقَةَ الَّتِي كَتَبْنَاهَا فِي هَذِهِ الْمُدَوَّنَةِ الْمُفَصَّلَةِ – الَّتِي قَسَّمْنَاهَا أَبْوَابًا وَفُصُولًا وَمَوَادَّ، وَبَيَّنَّا فِيهَا كَيْفَ تُقَامُ الْحُدُودُ، وَكَيْفَ يُقْبَضُ عَلَى الْمُجْرِمِينَ، وَكَيْفَ تُحَاكَمُ الْأُمَمُ، وَكَيْفَ تُنَفَّذُ الْأَحْكَامُ، وَكَيْفَ يَرْتَبِطُ كُلُّ فَرْدٍ مِنَ الْقُوَّةِ بِرَبِّهِ رَبْطَةَ الْعَبْدِ الْخَاضِعِ لِأَمْرِ سَيِّدِهِ – أَنَّ هَذِهِ الْحَقِيقَةَ هِيَ سُلْطَانُ اللَّهِ الْأَعْلَى فِي الْأَرْضِ وَالسَّمَاءِ، وَهِيَ الْقُوَّةُ الَّتِي لَا تُدَانَى، وَالْحُكُومَةُ الَّتِي لَا تُبَادَى، وَالشَّرِيعَةُ الَّتِي لَا تُنْسَخُ، وَالْعَدْلُ الَّذِي لَا يَجُورُ، وَالرَّحْمَةُ الَّتِي لَا تَظْلِمُ، وَالشِّدَّةُ الَّتِي لَا تَعْدُو، وَأَنَّهَا مُنْطَلَقَةٌ بِأَمْرِ اللَّهِ العظيظ الله هو العلي العظيم، الَّذِي لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ، وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ.
فَمَنْ أَطَاعَهَا فَلَهُ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ، وَمَنْ عَارَضَهَا فَلَهُ الْخِزْيُ وَالنَّكَالُ، وَمَنْ كَذَّبَ بِهَا فَإِنَّمَا يُكَذِّبُ بِآيَاتِ اللَّهِ، وَاللَّهُ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ، وَهُوَ الْغَالِبُ عَلَى أَمْرِهِ، وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ. وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ عَبْدِهِ وَرَسُولِهِ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ، سَلَامًا دَائِمًا مُمْتَنًّا إِلَى يَوْمِ الدِّينِ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، الَّذِي لَهُ الْعِزَّةُ وَلَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ، وَهُوَ العظيظ الله هو العلي العظيم، الْقَوِيُّ الْمَتِينُ، العظيظ الْكَرِيمُ، الْمَلِكُ الْحَقُّ، الشَّهِيدُ الْخَبِيرُ، الْخَالِقُ الْأَحَدُ، الصَّمَدُ، لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ، وَآخِرُ دَعْوَانَا أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ.
-
Peace The Samhaqiyah
I am trying to read your posts. and I failed to get your message.
What are you intending to pass on?
Qoran s benefits, warnings.message and lessons are a lot easier and simpler to understand and it will explain GOD s message to the seeker..
Just direct folks to the book of Allah and GOD s message will do a much better job.
Or am I missing something here?
Just asking you to reflect on the repetitions that you are posting and your aim.
Thank you.
GOD bless you.
Peace. -
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَـٰنِ الرَّحِيمِ
الْحَمْدُ لِلَّهِ الشَّهِيدِ الْخَبِيرِ، الَّذِي لَا يَخْفَىٰ عَلَيْهِ خَافِيَةٌ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ، وَهُوَ الْعَلِيمُ بِذَاتِ الصُّدُورِ، الْخَبِيرُ بِتَقَلُّبِ الْأَرْوَاحِ وَالنُّفُوسِ، وَالرَّفِيعُ الدَّرَجَاتِ لِمَنْ أَرَادَ مِنْ عِبَادِهِ أَنْ يَصْعَدَ إِلَيْهِ فِي مَلَكُوتِ الْجَبَرُوتِ.
أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَـٰهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، شَهَادَةً تَرْفَعُ الذَّاتَ إِلَىٰ أَعْلَىٰ عِلِّيِّينَ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، صَاحِبُ الْمِعْرَاجِ الَّذِي سَرَىٰ بِهِ مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَىٰ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَىٰ.
أَمَّا بَعْدُ، فَبِالْحَقِّ الَّذِي بِهِ خُلِقَتِ الْأَكْوَانُ، وَبِهِ تَسْتَقِيمُ السَّبْعُ الشِّدَادُ، وَبِهِ تُسَيَّرُ الْأَرْوَاحُ فِي أَجْسَادِ النُّورِ، أُطْلِقُ ذَاتِيَ الْحَقِيقِيَّةَ الْعُلْيَا الْقُصْوَى، الَّتِي بَلَغَتْ أَكْمَلَ مَا تَبْلُغُهُ الْجَسَدِيَّةُ مِنَ الشِّدَّةِ وَالْقُوَّةِ وَالصَّلَابَةِ، فَصَارَتْ جَسَدًا كَالْجِبَالِ الرَّاسِيَاتِ، وَرُوحًا كَالْأَنْوَارِ السَّاطِعَاتِ.
وَتِلْكَ الذَّاتُ هِيَ نَفْسِيَ الصَّاعِدَةُ بِكُنْدَالِينِيِّ الْحَقِّ الْأَعْظَمِ، الَّذِي هُوَ سِرُّ النَّارِ الْمُقَدَّسَةِ فِي صُلْبِ الْأَشْيَاءِ، وَهُوَ الْقُطْبُ الَّذِي إِلَيْهِ يَتَوَجَّهُ الْعَارِفُونَ، وَالْقِنْطَارُ الَّذِي مِنْهُ تَفَجَّرَتْ عُيُونُ الْحَيَاةِ فِي الْعَالَمِ السُّفْلِيِّ. قَدِ ارْتَفَعَتْ هَـٰذِهِ الْكُنْدَالِينِي حَتَّىٰ بَلَغَتْ أَقْصَى قِمَمِ الْوُجُودِ، لَا كَمَا يَتَوَهَّمُ الضَّالُّونَ، بَلْ كَمَا قَدَّرَ اللَّهُ لِأَوْلِيَائِهِ الْمُخْلَصِينَ، فَصَارَتِ الذَّاتُ تَصْعَدُ طَبَقًا بَعْدَ طَبَقٍ، حَتَّىٰ تَخَطَّتِ الْأَبْعَادَ الدُّنْيَا السَّبْعَةَ، ثُمَّ الْأَبْعَادَ الثَّمَانِيَةَ، ثُمَّ اسْتَقَرَّتْ فِي الْبُعْدِ الْأَعْلَىٰ الَّذِي لَا يُدْرِكُهُ إِلَّا الْخَبِيرُ الشَّهِيدُ، وَهُوَ بُعْدُ الْأَحَدِيَّةِ الْإِلَـٰهِيَّةِ، حَيْثُ الْأَنَا الْحَقُّ لَا تَتَعَيَّنُ بِشَيْءٍ وَلَا تَتَقَيَّدُ بِكَيْفٍ.
وَفِي ذَلِكَ الْبُعْدِ الْأَعْلَىٰ الْأَسْنَىٰ، تَجَلَّى لِي رَبِّي بِاسْمَيْهِ الشَّهِيدِ الْخَبِيرِ، فَشَهِدَ عَلَيَّ بِأَنِّي مِنَ الصَّادِقِينَ، وَأَخْبَرَنِي بِأَنَّ هَـٰذَا الْإِطْلَاقَ هُوَ الْحَقُّ الَّذِي لَا مَحِيدَ عَنْهُ. فَخَرَجَتْ ذَاتِي مِنْ كُلِّ قَيْدٍ وَدَرَجٍ، وَانْطَلَقَتْ بِالْحَقِّ انْطِلَاقَ الْبَدْرِ فِي لَيْلِ التَّمَامِ، وَالْفَجْرِ الصَّادِعِ بِأُمِّ الْقُرَىٰ، لَا يَرُدُّهَا شَيْءٌ، وَلَا يَعْصِمُ مِنْهَا جَبَّارٌ، وَهِيَ تُنَادِي بِلِسَانِ الْحَالِ:
﴿إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَـٰهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي﴾، لَكِنَّهُ لِسَانُ الْعُبُودِيَّةِ الْمُطْلَقَةِ، لَا لِسَانُ الْأُلُوهِيَّةِ الْمُدَّعَاةِ.
ثُمَّ إِنَّ هَـٰذِهِ الذَّاتَ الْمُطْلَقَةَ بِالْحَقِّ، الصَّاعِدَةَ الْكُنْدَالِينِيَّةَ الْقُصْوَى، الْمُمَدَّدَةَ فِي أَعْلَى الْأَبْعَادِ، الشَّهِيدَ فِيهَا الْخَبِيرَ بِهَا، لَمَّا تَمَّ إِطْلَاقُهَا خَارِجَةً إِلَىٰ حَضْرَةِ الْقُدْسِ، أَمَرَهَا رَبُّهَا أَنْ تَتَوَجَّهَ نَحْوَ الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ، وَأَنْ تُحِلَّ بِهِمُ الثَّتْلَالَ، وَهُوَ الْإِذْلَالُ وَالتَّدْمِيرُ وَالْإِهْلَاكُ الَّذِي لَا يُقَامُ لَهُمْ بَعْدَهُ سُوقٌ.
فَثَتْلَلَتِ الذَّاتُ الْكُلَّ لِلْقَوْمِ الْكَافِرِينَ، أَيْ: دَكَّتْ كُلَّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ، وَقَلَعَتْ كُلَّ مَنَارَةِ ضَلَالٍ، وَأَذَاقَتْ كُلَّ مَنْ جَحَدَ بِآيَاتِ اللَّهِ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ. كَانَ ذَلِكَ الثُّتْلَالُ ثُتْلَالَ الْكُلِّ، لَا يَسْتَثْنِي صَغِيرًا وَلَا كَبِيرًا، إِلَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا. فَصَارَتِ الْأَرْضُ مِنْ بَعْدِ الثُّتْلَالِ كَالْأَرْضِ الْمَجْدُودَةِ الَّتِي أَكَلَتْ أَهْلَهَا، وَصَارَ السَّمَاءُ كَأَنَّهُ قِطْعَةٌ سَوْدَاءُ قَدِ انْشَقَّتْ لِلْوَقْعَةِ الْكُبْرَىٰ.
وَتِلْكَ هِيَ سُنَّةُ اللَّهِ فِي الْكَافِرِينَ، يَبْعَثُ عَلَيْهِمْ بِالْحَقِّ مَنْ يَصْعَدُ مِنْ عِبَادِهِ لِيَكُونَ سَوْطَ عَذَابٍ وَصَاعِقَةَ نَقْمَةٍ. فَلَا تَظُنَّنَّ يَا مَنْ تَصْعَدُ ذَاتُكَ أَنَّ هَـٰذَا الثُّتْلَالَ هُوَ انْتِقَامٌ بَشَرِيٌّ، بَلْ هُوَ قَضَاءٌ إِلَـٰهِيٌّ جَرَىٰ عَلَىٰ لِسَانِ الْحَقِّ الْمُطْلَقِ، وَبِيَدِ الذَّاتِ الَّتِي طَهَّرَهَا اللَّهُ وَأَطْلَقَهَا.
فَاذْهَبْ أَيَّتُهَا الذَّاتُ الْمُطْلَقَةُ الْعَالِيَةُ، وَكُنْ عَلَىٰ الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ ثُتْلَالًا مُبِينًا، وَاخْرُجْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ إِلَىٰ لَا شَيْءٍ مِنَ الْأَبَاطِيلِ، وَاسْكُنْ فِي الْحَقِّ كَمَا يَسْكُنُ النُّورُ فِي عَيْنِ الشَّمْسِ. وَلْتَكُنْ صَلَاتُكَ عَلَىٰ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَحَمْدُكَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، خَاتِمَةَ هَـٰذَا الْمَقَامِ الَّذِي لَا يَبْلُغُهُ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ وَأَطْلَقَهُ بِالْحَقِّ.
﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا كَانَ عَلَىٰ رَبِّكَ حَتْمًا مَقْضِيًّا﴾.
﴿فَأَثْتَلَ الْكُلَّ لِلْقَوْمِ الْكَافِرِينَ، فَلَمْ تَرَ إِلَّا مَصَارِعَهُمْ كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ﴾ (وَهَـٰذَا تَفْسِيرٌ بِمَعْنَى الثُّتْلَالِ، وَاللَّهُ أَعْلَىٰ وَأَعْلَمُ).وَالْحَمْدُ لِلَّهِ الشَّهِيدِ الْخَبِيرِ، الَّذِي أَطْلَقَ الْحَقَّ مِنَ الْحَقِّ، وَأَثْتَلَ الْبَاطِلَ بِالْحَقِّ، وَصَلَّى اللَّهُ عَلَىٰ سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَآلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ، وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا كَثِيرًا.
-
I will be honest: your posts are very difficult to follow. They contain many grand claims and repeated dramatic expressions, but I cannot identify a clear Quranic argument.
A forum discussion needs clarity. Please present one point, one verse, and one explanation in simple language. If the message cannot be stated clearly, then it becomes impossible for others to engage with it meaningfully.
So my request is simple: please stop the repeated long declarations and explain your actual point plainly.